سوريا وعهد "الدولة التاجر".. ماذا وراء تحويل "مؤسسات عامة" إلى "شركات قابضة"؟



تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 14 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً

بموجب حزمة من المراسيم "الرئاسية"، أعادت السلطة السورية الجديدة هيكلة إدارة أبرز القطاعات الحيوية ذات الطابع السيادي والاستراتيجي، عبر تحويلها من مؤسسات ومرافق عامة إلى شركات ذات طابع اقتصادي واستثماري. ففي السادس من نيسان 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم متتالية حملت الأرقام (44، 45، 46)، قضت بتحويل قطاعات التعدين والكهرباء والمياه من “مرافق خدمية” إلى “شركات” ذات طابع اقتصادي، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزارة الطاقة. ورغم أن هذه الخطوة تُقدَّم في إطار تطوير الاستثمار الاحترافي وتعزيز الحوكمة، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول شرعية اتخاذ قرارات بنيوية تمس أصول الدولة في مرحلة انتقالية لم تستكمل مؤسساتها بعد، إضافة إلى مخاوف تتعلق بمصير الدعم الاجتماعي في بلد يعاني من تدهور القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر. من "المؤسسة" إلى "الشركة" المراسيم الثلاثة لم تكتفِ بتغيير النمط الإداري، بل أعلنت عن ولادة كيانات جديدة حلّت مكان "المؤسسات" التي سبق وترهلت في عهد نظام المخلوع بشار الأسد، وهي: الشركة السورية للتعدين (SMC): حلّت محل "الشركة العامة للفوسفات والمناجم، وكل مديريات ومرافق ومعامل (المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية)"، لتتولى استثمار الخامات وتسويقها ضمن إطار اقتصادي موحد. الشركة السورية للكهرباء (SEC): حلّت محل "المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء" و"المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء"، وجميع الشركات التابعة للمؤسستين، في خطوة تهدف إلى توحيد إدارة القطاع كهربائياً ضمن كيان واحد. المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي: أُعيد تشكيلها كـ"مؤسسة ذات طابع اقتصادي، تتمتّع باستقلال مالي وإداري"، إلى جانب إحداث "شركات عامة" على مستوى المحافظات، تحل محل "المؤسسات العامة" السابقة. يسعى هذا التحوّل -وفق قراءات اقتصادية- إلى تقليص البيروقراطية، لكنّه يعكس في الوقت ذاته تحولاً في علاقة الدولة بالمواطن، عبر الانتقال من نموذج "المرفق العام" القائم على تقديم الخدمة بوصفها حقاً، إلى نموذج "الشركة"، التي تُدار وفق معايير الكفاءة والعائد. ويأتي هذا المسار استكمالاً لخطوات سابقة، حيث أصدر الرئيس أحمد الشرع "المرسوم رقم (189) لعام 2025"، القاضي بإحداث "الشركة السورية للبترول (SPC)" كشركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي، لتحل محل "المؤسسة العامة للنفط" و"المؤسسة العامة للتكرير" وجميع الشركات التابعة لهما. اقرأ أيضاً الرئيس الشرع يصدر مرسوماً بتعديل مواد بقانون الاستثمار وإحداث "صندق التنمية" من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد علبي، في تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ هذا التحول "ينقل القطاعات من منطق إداري إلى منطق اقتصادي أو تجاري"، حيث تُقاس الكفاءة بالعائد والاستدامة، لا بمجرد تقديم الخدمة. ويحذّر "علبي" من أنّ هذا النموذج عادةً -رغم إبقاء الدعم الحكومي قائماً نظرياً- لا يستمر طويلاً "بل يتقلص تدريجياً وصولاً إلى زواله"، إذ تميل الشركات عند أوّل اختلال مالي إلى نقل عبء التمويل إلى "التعرفة،" ما قد يسرّع وتيرة رفع الدعم، خاصة في ظل وضع اقتصادي هش وانطلاق هذه القطاعات من حالة خسارة أصلاً. في المقابل، يشير محمد أحمد، إلى أنّ "سياسة الدعم لا تُحسم في مراسيم التأسيس، وأن استمرار إمكانية التمويل الحكومي (جزئياً)، يعني أن مسار الدعم سيُحدد لاحقاً وفق السياسات التنفيذية، لا ضمن النصوص الحالية". لكن من زاوية حقوقية، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أنّ جوهر الإشكالية في هذه المراسيم يكمن في التوتر بين منطق الربحية ومتطلبات الحقوق الأساسية، إذ إن الشركات التي تُلزم بتحقيق التوازن المالي أو الربح ستتجه، بحكم طبيعتها، إلى رفع تعرفة الكهرباء والمياه إلى مستويات التكلفة الفعلية أو ما يقاربها، ما قد يمسّ بحقوق أساسية، من بينها الحق في المياه ومستوى المعيشة. الخصخصة في سوريا.. فرصة للتنمية أم فخ للحكومة؟ في المقابل، يرى "علبي" أن هذه الأدوات تمثل "خصخصة جزئية عملياً"، إذ إن إدخال شركات خاصة في التشغيل والإدارة، بعقود طويلة الأمد، ينقل جزءاً من القرار الاقتصادي إلى القطاع الخاص، حتى من دون إعلان خصخصة صريحة، ويعدّ هذا المسار، وفق رأيه، مساساً بقطاعات سيادية كالمياه، التي تخضع عادةً لضوابط صارمة في مختلف دول العالم. "نظام العقود للجهات العامة في سوريا" في موازاة توسيع صلاحيات هذه الشركات، يبرز غموض قانوني لافت حول الإطار الذي سيحكم تعاقداتها، ولا سيما مدى خضوعها لأحكام "قانون العقود رقم 51 لعام 2004"، الذي ما يزال يشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم عقود الجهات العامة في سوريا. واللافت أيضاً أن المراسيم الثلاثة، وغيرها من المراسيم التي نصّت على تحويل المؤسسات العامة إلى شركات، لم تنص صراحة على إخضاع هذه الكيانات لهذا القانون، ما يفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متباينة، خصوصاً في ظل تصنيفها كـ"شركات ذات طابع اقتصادي"، وهو ما يضعها في منطقة رمادية بين قواعد القانون العام ومنطق الشركات. اقرأ أيضاً ملاحظات قانونية حول بعض "المراسيم" أمّا محمد أحمد، فيرى أنه رغم تضمّن المراسيم آليات حوكمة داخلية كالتقارير الدورية وتعيين مدقق حسابات خارجي، إلا أنّ هذه الأدوات تبقى غير كافية ما لم تُستكمل بإلزام الإفصاح المالي وضبط قواعد التعاقد وإخضاع الشركات لرقابة مالية وإدارية وقضائية واضحة، محذّراً من أنّ الاستقلال الإداري من دون مساءلة قد يضعف الرقابة بدلاً من تعزيز الكفاءة. "مسار أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا" تندرج المراسيم المرتبطة بتحويل المؤسسات العامة إلى شركات ضمن سياق أوسع لإعادة هيكلة القطاع العام في سوريا، تعمل عليه الحكومة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية، إذ تعكس الخطوات المتتالية توجهاً متصاعداً نحو إعادة تشكيل المؤسسات التقليدية ضمن كيانات أكثر استقلالاً وذات طابع اقتصادي. اقرأ أيضاً بشار الأسد يصدر قانوناً لإحداث وحوكمة الشركات العامة.. هل هي خصخصة؟ وبحسب خبراء، تتمثل الإشكالية في استمرار المسار ذاته وإن بصيغة محدّثة، حيث جرى تفعيله كأداة لمعالجة الانهيار الاقتصادي، وبينما يكمن الفارق في الأهداف المعلنة -من خدمة "أزلام النظام" سابقاً إلى تعزيز الاستثمار والحوكمة حالياً- يبقى الاختبار الحقيقي في مستوى الشفافية وحماية المواطنين، خصوصاً في ظل انتقال يجري ضمن "منطقة رمادية" تفتقر إلى رقابة تشريعية صارمة. عن "الخصخصة" لا ينكر خبراء سوريون أن نموذج "القطاع العام" التقليدي بات إرثاً مترهلاً، ما يجعل البحث عن بدائل أكثر كفاءة أمراً مشروعاً، بما في ذلك "الخصخصة" أو الشراكات مع القطاع الخاص، شرط أن تقترن بضوابط صارمة تمنع الاحتكار. لكن الاعتراض في الحالة السورية يتركّز على "السياق والشرعية"، إذ إن المضي بتحوّلات تمس "أصولاً سيادية" في مرحلة انتقالية غير مكتملة دستورياً، ومع جدل قائم حول قانونية المراسيم، يضع هذه الخطوات في "منطقة رمادية" تثير تساؤلات حول مشروعيتها واستدامتها. وإنّ غموض الصلاحيات الممنوحة للشركات الجديدة، واتساع هامش حركتها وفق منطق تجاري على حساب الأهداف الخدمية، يفتح الباب أمام مخاوف من تحوّلها من أدوات لـ"خدمة المواطن" إلى استنزافه مادياً، لا سيما في ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة تضمن عدم انزلاق نموذج "الدولة التاجر" نحو شكل جديد من الاحتكار المغلّف بالقانون.

المصدر