
الاخبارية السورية: الأربعاء, 21 تشرين الأول 2026 الساعة 8 صباحاً
تتجه المنظومة الصحية في سوريا نحو إحداث تحول نوعي في هيكلية الرعاية الأولية، بنقل الخدمات الطبية والوقائية من حيز المنشآت المركزية إلى عمق القرى والبلدات الأكثر احتياجاً، إذ أطلقت وزارة الصحة تدريبات موسعة لعمال الصحة المجتمعية في محافظات حلب، والحسكة، ودير الزور، وإدلب، تحت شعار التغطية الصحية الشاملة.
ويستهدف هذا الحراك الميداني بناء منظومة إنذار ورعاية مبكرة تسد الفجوات الجغرافية التي خلفتها سنوات الحرب والنزوح، بما يضمن ربط الأسر في المناطق النائية بالمراكز الصحية، والحد من انتشار الأمراض قبل وصولها إلى مراحل حرجة تتطلب تدخلاً استشفائياً مكلفاً.
وفي تصريحات خاصة لموقع الإخبارية استعرض رئيس دائرة الصحة المجتمعية في مديرية الرعاية الصحية الأولية بوزارة الصحة الدكتور مهند عثمان، محاور هذا التحرك وأسس النموذج الوطني المعتمد، مؤكداً أن غاية الوزارة لا تقتصر على تدريب أكبر عدد ممكن من العاملين فحسب، وإنما بناء شبكة وطنية مستدامة من عمال الصحة المجتمعية، ترتبط بالنظام الصحي وتساهم بصورة فعلية في تحقيق العدالة الصحية والتقدم نحو التغطية الصحية الشاملة في سوريا.
معايير وطنية موحدة
أكد عثمان أن وزارة الصحة تعتمد في اختيار عمال الصحة المجتمعية على معايير وطنية موحدة، في مقدمتها أن يكون العامل من أبناء المجتمع المحلي الذي سيقدم الخدمات فيه، بما يضمن معرفته بخصوصية المنطقة واحتياجات سكانها، وقدرته على بناء الثقة والتواصل الفعال مع الأهالي.
وتشمل المعايير بلوغ سن الثامنة عشرة، والحصول على شهادة التعليم الثانوي كحد أدنى مع مراعاة الاستثناءات في بعض المناطق، وامتلاك مهارات التواصل والعمل المجتمعي، واجتياز التدريب المعتمد، مع مراعاة الخصوصية لبعض المجتمعات في توظيف إناث فقط في حال الحاجة لضمان وصول الخدمة.
توزيع وفق الاحتياج والفجوات
أما فيما يخص التوزيع الجغرافي، فأوضح عثمان أنه لا يعتمد على التوزيع العددي المتساوي بين المحافظات، وإنما على الاحتياج الصحي الفعلي، والكثافة السكانية، وبعد التجمعات السكانية عن الخدمات، والفجوات الصحية القائمة.
وبيّن أن النموذج الوطني يقوم على تشكيل فرق مجتمعية من عاملين اثنين، يغطي كل فريق نحو 200 أسرة، أي ما يقارب 1000 شخص، مع ربط هذه الفرق بالمراكز الصحية المرجعية.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع مديريات الصحة والشركاء على تحديد مناطق التدخل ذات الأولوية، وتوحيد خرائط التغطية لتجنب ازدواجية الخدمات، وتوجيه الموارد إلى القرى والتجمعات السكانية التي تعاني من ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية.
مسار إحالة متكامل ودعم الترصد
شدد عثمان على أن برنامج الصحة المجتمعية يقوم على مبدأ أساسي، وهو أن دور العامل المجتمعي لا يقتصر على نشر التوعية، وإنما يشمل الكشف المبكر عن عوامل الخطورة، والإحالة، ومتابعة وصول المستفيد إلى الخدمة الصحية المناسبة.
ولهذا تعمل الوزارة على ربط فرق الصحة المجتمعية بالمراكز الصحية ضمن نطاق عملها، من خلال مسارات إحالة واضحة، ونماذج توثيق موحدة، وخرائط محدثة للخدمات الصحية المتاحة.
ويتلقى العاملون تدريباً عملياً على التعرف إلى الأعراض المشتبهة للأمراض السارية، ومؤشرات سوء التغذية لدى الأطفال، بما في ذلك قياس محيط منتصف العضد، إضافة إلى علامات الخطورة لدى الحوامل والأطفال والمصابين بالأمراض المزمنة.
وعند اكتشاف حالة تستدعي التدخل، تتم إحالتها إلى المرفق الصحي المناسب وفق درجة الخطورة والخدمات المتوافرة، مع متابعة الحالة للتحقق من حصولها على الرعاية، وتحديد العوائق التي قد تحول دون وصولها.
كما تشكل الفرق المجتمعية حلقة داعمة لنظام الترصد الوبائي الوطني، من خلال الإبلاغ عن المؤشرات الصحية غير الاعتيادية وفق الآليات المعتمدة، دون أن تحل محل الكوادر الطبية المختصة في التشخيص والعلاج، إذ إن الهدف هو بناء مسار رعاية متكامل يبدأ من الأسرة والمجتمع، ولا يتوقف عند مجرد إصدار ورقة إحالة.
أولوية للصحة النفسية ورعاية المسنين
حول محور الدعم النفسي والاجتماعي، بيّن عثمان أن وزارة الصحة تولي أهمية خاصة لمحور الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما في المحافظات التي تأثرت بالنزوح والظروف الإنسانية الصعبة خلال السنوات الماضية.
ويتضمن المنهاج الوطني للصحة المجتمعية محوراً تدريبياً مخصصاً للصحة النفسية والرفاه النفسي والاجتماعي، يشمل التعرف المبكر إلى مؤشرات الضيق النفسي، ومهارات التواصل الداعم، وحماية الخصوصية، وآليات الإحالة الآمنة إلى الخدمات المتخصصة.
كما يجري دمج الاعتبارات النفسية والاجتماعية ضمن مهارات الزيارات المنزلية والتواصل مع الأسر، بحيث يستطيع العامل المجتمعي التعامل مع احتياجات الفئات الهشة بطريقة تراعي ظروفها وكرامتها، دون تكليفه بأدوار علاجية تتجاوز اختصاصه.
أما بالنسبة إلى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأشد هشاشة، فيتم التركيز على تحديد احتياجاتهم خلال الزيارات المنزلية، وتعزيز الوقاية من الأمراض المزمنة، ومتابعة الوصول إلى الخدمات الصحية والأدوية المتاحة، والكشف عن الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص، انطلاقاً من النظر إلى الصحة المجتمعية باعتبارها مدخلاً للرعاية الصحية الشاملة التي تراعي الاحتياجات الجسدية والنفسية والاجتماعية للإنسان، وليس مجرد برنامج للتثقيف الصحي.
برنامج وطني موحد وتمويل مستدام
أكد عثمان أن وزارة الصحة لا تنظر إلى تدريبات حلب والحسكة ودير الزور وإدلب باعتبارها نشاطاً محدوداً بهذه المحافظات، بل بوصفها جزءاً من التوجه الوطني لتوسيع خدمات الصحة المجتمعية تدريجياً إلى جميع المحافظات، مع تأكيد أن المحافظات نفسها سيتم توسعة النشاطات فيها لمناطق جغرافية إضافية.
ويجري العمل على تطوير هذا التوسع وفق خطة مرحلية تستند إلى تقييم الاحتياجات الصحية، وجاهزية المراكز الصحية، والفجوات الجغرافية، والموارد البشرية والمالية المتاحة، مع الاستفادة من نتائج التنفيذ والتقييم الميداني في تحديد أولويات المراحل التالية لبقية المحافظات.
وفيما يتعلق بالاستدامة، تتجه الوزارة إلى الانتقال من تعدد المشروعات والتدخلات المنفصلة إلى برنامج وطني موحد للصحة المجتمعية، تحكمه معايير موحدة للاختيار والتدريب، وحزمة خدمات واضحة، ونظام للإشراف والإحالة وإدارة البيانات.
كما يجري العمل من خلال التنسيق مع الشركاء والجهات الداعمة على توحيد آليات الدعم والحوافز، وتوفير المستلزمات الميدانية ووسائل العمل والتنقل، وتعزيز فرص التمويل متعدد السنوات، مع التوجه التدريجي نحو إدماج احتياجات البرنامج ضمن التخطيط والتمويل الصحي الوطني.
ويشكل التكامل بين وزارة الصحة والشركاء الدوليين والمحليين عنصراً أساسياً في هذه المرحلة، على أن تبقى القيادة الفنية والتخطيط والإشراف وتحديد الأولويات بيد الوزارة، لضمان استمرارية الخدمات والارتقاء بصحة المجتمع في جميع المناطق.
The post فرق مجتمعية ومعايير موحدة للاختيار .. وزارة الصحة توسع شبكة الرعاية المجتمعية appeared first on الإخبارية السورية.
المصدر