
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 21 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً
تجاوز عدد الآبار في محافظة إدلب 22 ألف بئر، وفق تقديرات جيولوجية حديثة، بينها نحو 12 ألف بئر غير مرخصة، وسط تراجع الهطولات المطرية وانخفاض غزارة بعض الآبار القديمة، في محافظة يعتمد جزء كبير من نشاطها الزراعي على المياه الجوفية.
وتوسّع الاعتماد على الآبار خلال سنوات الحرب، مع تضرر شبكات المياه والري، وخروج منشآت مائية عن الخدمة، وتراجع مصادر المياه السطحية. وزادت موجات الجفاف حاجة المزارعين إلى المياه، ودفع تراجع غزارة بعض الآبار أصحابها إلى تعميقها أو البحث عن مصادر أخرى، في حين اضطر مزارعون إلى إنفاق آلاف الدولارات لاستجرار المياه من نهر العاصي إلى أراضيهم.
وتعود آخر إحصائية منشورة عن أعداد الآبار في إدلب إلى عام 2011، حين أوردت صحيفة "تشرين"، التابعة للنظام المخلوع آنذاك، وجود 8933 بئراً مرخصة و3158 بئراً غير مرخصة في مدن وبلدات المحافظة.
ويقدّر الجيولوجي أحمد إبراهيم العمري، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن العدد الإجمالي للآبار تجاوز 22 ألف بئر حتى عام 2026، بينها نحو 12 ألف بئر غير مرخصة، في وقت تغيب فيه بيانات حديثة ومنشورة توضح أعداد الآبار وأعماقها ومعدلات الضخ منها.
اقرأ أيضاً
نزيف تحت الأرض (4).. آلاف الآبار وجفاف الينابيع يهدّدان مياه الساحل السوري
وامتدت آثار الجفاف إلى المناطق القريبة من مصادر المياه السطحية، إذ دفع جفاف نهر العاصي مزارعين في منطقة جسر الشغور إلى البحث عن مصادر بديلة للري، بينها الآبار الارتوازية.
وزادت الحاجة إلى المياه مع عودة مزارعين إلى أراضيهم بعد سنوات من النزوح، ومحاولتهم استئناف الزراعة في مناطق تضررت فيها شبكات الري ومرافق المياه خلال سنوات الحرب.
ومع استمرار الاعتماد على الآبار، بدأ بعض المزارعين يواجهون تراجعاً في كميات المياه المستخرجة منها، ما دفعهم إلى التفكير بتعميقها أو تغيير المضخات للحصول على كميات تكفي احتياجات أراضيهم.
آبار تفقد غزارتها
في قرية مرعيان بجبل الزاوية، كانت عائلة أم عمار تعتمد على بئر واحدة لري أراضيها الزراعية، قبل أن تبدأ كمية المياه المتدفقة منها بالتراجع.
وتقول أم عمار لموقع تلفزيون سوريا إن كمية المياه، التي توفرها البئر انخفضت إلى أقل من نصف ما كانت عليه سابقاً، مشيرة إلى أنها لاحظت تغيراً في طبيعة المياه، التي أصبحت تخرج أحياناً عكرة وموحلة.
ويضع تراجع غزارة الآبار أصحاب الأراضي أمام أعباء إضافية، تتعلق بتأمين احتياجات المحاصيل من المياه، أو تحمل تكاليف تعميق الآبار وتغيير تجهيزاتها، وسط مخاوف من استمرار انخفاض مستويات المياه الجوفية.
وفي المناطق التي تتجاور فيها أعداد كبيرة من الآبار، يمكن أن تتأثر مستويات المياه بعمليات الضخ المتزامنة، خصوصاً عندما تستمد الآبار مياهها من الحامل الجوفي نفسه.
الجفاف يضاعف الضغط على المياه الجوفية
يوضح الجيولوجي أحمد إبراهيم العمري أن الخزانات الجوفية في إدلب تعتمد في تغذيتها على مياه الأمطار التي تتسرب عبر التربة والصخور إلى الطبقات الحاملة للمياه، وتختلف معدلات تجددها تبعاً لطبيعة التكوينات الجيولوجية وكميات الهطولات.
ويقول العمري لموقع تلفزيون سوريا إن استمرار ضخ المياه خلال سنوات الجفاف يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الكميات المسحوبة من الخزانات والكميات التي تصل إليها عبر التغذية الطبيعية، خصوصاً مع زيادة عدد الآبار وارتفاع الطلب على مياه الري.
ويضيف أن انخفاض الأمطار يترافق غالباً مع زيادة حاجة المزارعين إلى الري، الأمر الذي يرفع معدلات سحب المياه الجوفية خلال الفترات التي تتراجع فيها قدرة الخزانات على تعويض ما تفقده.
اقرأ أيضاً
نزيف تحت الأرض (2).. آلاف الآبار والجفاف يهدّدان المياه الجوفية جنوبي سوريا
ويؤكد العمري ضرورة معرفة حجم المياه القابلة للاستثمار ومعدلات تغذية الخزانات، إلى جانب مراقبة مستويات المياه وكميات الضخ، بما يساعد على تحديد حدود الاستخدام التي يمكن أن تتحملها الموارد الجوفية.
ويحذّر من أن استمرار السحب بمعدلات تفوق التغذية الطبيعية قد ينعكس على توفر المياه خلال المواسم المقبلة، حتى لو تمكن المزارعون حالياً من تعويض نقص المياه عبر تعميق الآبار أو زيادة ساعات تشغيلها.
حلول من خارج البئر.. مزارعون يستجرون مياه العاصي
في قرية كفرهند شمال غربي إدلب، دفع جفاف الآبار مجموعة من المزارعين إلى البحث عن مصدر جديد لري أراضيهم، فاختاروا استجرار المياه من نهر العاصي، رغم المسافة الطويلة والكلفة المرتفعة للمشروع.
وتبعد الأراضي الزراعية المستفيدة عن مجرى النهر أكثر من 12 كيلومتراً بخط النظر، ما استدعى تمديد شبكة أنابيب لنقل المياه، وتجهيز منظومة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية.
ويقول عبد الحميد العلوش، أحد مزارعي كفرهند، لموقع تلفزيون سوريا إن أكثر من 15 صاحب أرض تشاركوا في تنفيذ المشروع بعدما جفّت آبارهم، وتقاسموا تكاليف التجهيزات ومدّ الأنابيب واستجرار المياه.
وبحسب العلوش، دفع كل مزارع أكثر من 7 آلاف دولار لتأمين وصول المياه إلى أرضه، في مشروع شمل استئجار أرض قريبة من مجرى العاصي لتركيب ألواح الطاقة الشمسية وتشغيل المضخات.
ويوضح أن المشروع أتاح للمزارعين الاستمرار في ري محاصيلهم، بعدما فقدوا القدرة على الاعتماد على آبارهم التي جفّت أو تراجعت كميات المياه المستخرجة منها.
ولاقت التجربة، وفق العلوش، إقبالاً من مزارعين آخرين في كفرهند، قبل أن تنتقل إلى مناطق أخرى داخل القرية وخارجها، مع استمرار البحث عن مصادر مياه قادرة على تغطية احتياجات الأراضي الزراعية.
ويشير إلى أن القيود المفروضة على حفر آبار جديدة أو تعميق الآبار القديمة دفعت المزارعين أيضاً إلى البحث عن حلول أخرى، خصوصاً مع تعرض محاصيلهم لخطر التلف نتيجة لنقص المياه.
اقرأ أيضاً
درعا تدق جرس الإنذار.. آلاف الآبار المخالفة تهدد الأمن المائي
يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة "نزيف تحت الأرض"، التي يرصد فيها موقع تلفزيون سوريا واقع الآبار والمياه الجوفية في المحافظات السورية، وأسباب توسع الحفر العشوائي، وتأثير الجفاف والضخ المتزايد في الموارد المائية ومستقبل الزراعة.
المصدر