
تلفزيون سوريا: السبت, 5 أيلول 2026 الساعة 6 صباحاً
لم تقف المسألة عند العدوان الإسرائيلي المستمر على الأراضي السورية، وتواصل قضم الجغرافيا السورية، واعتقال المواطنين السوريين، والتعدي على الممتلكات والمنازل السورية في المنطقة العازلة وما حولها، وهذه كما يبدو باتت سياسة إسرائيلية، تهدف فيما تهدف إليه، إلى التنمر والهيمنة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض السورية، والوصول بالضرورة إلى اتفاق أمني مفترض على قد ومقاس (بنيامين نتنياهو) وحكومته اليمينية المتطرفة، يحل مكان اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 مع حافظ الأسد، الذي أنهت وجوده إسرائيل كلية بعد انهيار نظام المخلوع بشار الأسد وفراره إلى موسكو.. حيث لم تعد هذه التعديات مرتبطة فقط بالإسرائيليين وصلفهم وعدوانهم الذي لا ينقطع فحسب، لكن المسألة أبعد من ذلك وأوسع بكثير، فهناك مزيد من العمليات الإرهابية الداعشية، وغير الداعشية، تريد أن تنال من الاستقرار في سوريا، ومنع وإضاعة حالة الهدوء النسبي، ومن ثم بناء الدولة الوطنية السورية، التي يريدها كل الشعب السوري، وليس الحكومة الجديدة فقط.
ولا يبدو أن المسألة برمتها تتوقف عند هذا المنحى، أو ذاك، بل لعل ما يكتشف بين الفينة والأخرى، من محاولات للتسليح وتهريب العناصر من لبنان إلى سوريا وبالعكس، وهذه التشكيلات التي يتم القبض على البعض منها، من قبل شعبة المعلومات في لبنان، تؤشر إلى أن مليشيا حزب الله، ومعها إيران وتوابعها، مازالت تصر على الاشتغال تخريبًا في الواقع السوري الجديد، ومنع أي محاولات جدية من قبل الحكومة السورية الجديدة للاستقرار في سوريا، وكذلك إهالة التراب على بوابات السلم الأهلي في سوريا ومسارات العدالة الانتقالية، التي بدأت في سوريا عبر كثير من الحراك الجدي والفاعل، كما هلل لها جل الشعب السوري المكلوم، وارتفعت صعودًا ملامح تفاؤله، من أن الذين أوغلوا في الدم السوري سابقًا ينالون جزاءهم من خلال هذه المحاكمات العلنية العادلة، التي تشفي الصدور وتجبر الضرر وتعيد إنتاج الحياة المجتمعية السورية، وفق متطلبات المرحلة، وتطلعات كل السوريين، نحو بناء دولة المواطنة في سوريا، التي حرموا منها عشرات السنين، على يد نظام المقتلة الأسدية، منذ صبيحة يوم 16 تشرين ثاني/ نوفمبر 1970 وحتى سقوط نظام الاستبداد الأسدي في 8 كانون أول/ ديسمبر 2024.
اليوم ومع اكتشاف خلايا إرهابية من بقايا النظام الأسدي، تتخذ من لبنان مقرًا ومستقرًا لها، وتأخذ الدعم من إيران ومليشيا حزب الله اللبناني، فإن هذا المشهد اللافت يعطي مجالًا لإعادة التفكير، في كيفية التعاطي مع هذه المجموعات، منعاً من وجود أية حالة خراب أمني، من الممكن لها أن تنال من ملاح استقرار الواقع السوري عبر تحركات وأعمال هؤلاء، إذ إنه لا بد من التنسيق المستمر مع الحكومة اللبنانية الحالية، من أجل القبض على كل أدوات الاستبداد الفارين من قبضة العدالة الانتقالية السورية، إلى الأراضي اللبنانية، وفلول النظام القمعي الأسدي، ولعل مثل هذا التنسيق والتعاون الأمني وغير الأمني، يمكن أن ينعكس إيجابًا، ليس على الواقع السوري فحسب، بل كذلك على الواقع اللبناني برمته، الذي مازالت تعبث فيه بقايا ميليشيا تتبع إيران، وتعيث فسادًا في الواقع اللبناني والسوري.
إن كل ذلك لا يجب أن يشغل السوريين، عن استحداث آليات جديدة للتعامل مع منتجات هذا المعطى، فهناك كثير من التحديات، والعديد من الملفات في الواقع السوري، يفترض الانتباه إليها، والعمل على إعادة إنتاجها بما يخدم كل السوريين وينهي بالضرورة كل أنواع الضيم والعسف وهضم الحقوق التي وقعت على فئات عديدة من السوريين، ومنها بالتأكيد مسألة الجنوب السوري، السويداء وجبل العرب، التي لا يمكن للحكومة إلا أن تعمل ما تستطيع على الخوض بها فعلًا إيجابيًا واعيًا، ومدركًا لطبيعة المرحلة، ومن ثم حرمان إسرائيل من الاستمرار في اللعب بورقة الأقليات، ومنها ورقة الدروز، من منطلق أن الشعب السوري في السويداء وجبل العرب، هم أهلنا وناسنا، وأي ضرر قد يلحق بهم هو ما سوف يؤثر سلبًا على كل الشعب السوري، بكل تلوينات الطيف المجتمعي والسياسي والأيديولوجي.
حل مشكلة السويداء بات ضرورة وطنية لكل السوريين، والعمل به وعلى أساسه سيكون المدخل المهم للسلم الأهلي في كل الواقع السوري. وهو كذلك سوف يمنع إمكانية واستمرار التعديات الإسرائيلية من جهة، وكذلك تحركات الفلول وميليشيا حزب الله في لبنان وسوريا من جهة أخرى.
من هنا فإن حل مشكلة السويداء بات ضرورة وطنية لكل السوريين، والعمل به وعلى أساسه سيكون المدخل المهم للسلم الأهلي في كل الواقع السوري. وهو كذلك سوف يمنع إمكانية واستمرار التعديات الإسرائيلية من جهة، وكذلك تحركات الفلول وميليشيا حزب الله في لبنان وسوريا من جهة أخرى، ويمكنه أن يسهم في لملمة الجراح والتوجه نحو مسارات جدية وعاقلة في العدالة الانتقالية، والإمساك الحقيقي بصياغة ممكنة وضرورية للعقد الاجتماعي السوري الوطني الجامع، بعد أن تم حل إشكاليات كبيرة كانت تؤرق الأوضاع في شمال شرقي سوريا، وصولًا إلى التوافق إلى إنتاج واقع سوري جديد وموحد، ينهي كل الاحترابات الداخلية في سوريا.
ولعل مسألة العمل في الواقع الوطني السوري وفق منطق المشاركة وتضميد الجراح، وعودة الحقوق إلى أصحابها يسهم وبشكل فعلي في محاصرة كل أنواع الإرهاب، والتعديات على الأمن في سوريا.
وهذا الحديث اليوم لا يعني أن من يتربص في الواقع السوري وحالة التغير الكبرى التي حصلت في سوريا، سوف يتقوقع على نفسه وينهي حالة العدوان، لأن ما جرى في سوريا بعد 8 كانون اول /ديسمبر 2024 ليس بالشيء اليسير، حيث تم كنس المشروع الإيراني وانتهى عهد الاستبداد، الذي حكم بل وخطف البلد ما يزيد عن ٥٤ عامًا من القهر والنهب والفساد.. هؤلاء الذين كانون ممن استفادوا من ذلك الوضع الفاسد، لن يصمتوا لفترة طويلة قادمة، لكن مع ذلك لابد من المعالجة العاقلة والعقلانية والرصينة، حفاظًا على مستقبل سوريا، الذي يريده ويتمناه جميع السوريين مستقبلًا جديدًا يبني ولا يهدهم، ينتج واقعًا رحبًا، يشارك فيه جميع السوريين بلا استثناء.
المصدر