
تلفزيون سوريا: الجمعة, 4 أيلول 2026 الساعة 9 مساءً
قد ينتهي أثر زيارة معرض دمشق الدولي لدى كثير من الزوار بمجرد مغادرة مدينة المعارض، لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى بعض زوار ركن "حين تتكلم الجدران" في جناح وزارة الداخلية، حيث انتهت الزيارة لدى بعضهم بنوبات بكاء أو هلع أو توتر شديد.
أما بالنسبة إلى الناجيات من سجون ومعتقلات نظام الأسد المخلوع، فلم يكن الركن مجرد مساحة عرض عابرة، بل كانت زيارته أو حتى مشاهدة صور من داخله أشد سوءاً ومرارةً، ولا سيما مع وجود تجربة اعتقال مأساوية في أقبية الفروع الأمنية والمحاكم العسكرية لأشهر أو سنوات.
يسلط هذا التقرير الضوء على الحالات النفسية التي عانتها الناجيات بعد زيارة ركن "متحف السجون" في معرض دمشق الدولي في الدورة 63 منه، أو حتى رؤية مقاطع فيديو وصور منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي من هذا الركن، وكيف أثَّر ذلك في تجاوزهنّ للمأساة سلباً أو إيجاباً، والطريقة الأمثل لعرض "متاحف السجون" وسط تساؤل: هل تكون زيارة أماكن الاعتقال أو رؤيتها جزءاً من العلاج النفسي؟
انتكاسة نفسية طارئة
"عشتُ اللحظات الأولى لاعتقالي" تصف الناجية ديمة منذر الشمري دخولها ركن "متحف السجون" بأنه عودة كاملة إلى لحظات الاعتقال، لا مجرد استذكار لها. وتقول إن الصور والأدوات المعروضة لم تستدعِ في ذاكرتها مشاهد من المعتقل فحسب، بل جعلتها تعيش التجربة مجدداً بكل ما تحمله من آلام وكدر وثقل نفسي.
وبينما يتحدث مشرف الركن للزوار عمّا فيه، كانت أعراض "الصدمة" تتفاقم تدريجياً في نفسها والأسئلة تتالى في رأسها، تقول "كنت أؤنب نفسي على دخول، أقول: لمَ دخلتُ؟ ما الذي أوصلني إلى هنا؟ هل يجب أن أخرج؟ كيف أتراجع؟".
ومع رؤية أبواب الزنزانات وأدوات التعذيب، بدأت ديمة باسترجاع لحظة جلوسها إلى كرسي التحقيق، "تجمد قلبي" كما تصف حالها. وهي ترغب بشيء واحد قبل مغادرة الركن "يجب أن أحطم هذا الركن بما فيه".
الإعمار والاستثمار في الواجهة.. ما تفاصيل معرض دمشق الدولي هذا العام؟
علاج بالصدمة؟
على عكس توقّعاتها، ظنّت الناجية صفا عبد التركي، أن زيارة مكان الاعتقال سيكون جزءاً من رحلة العلاج النفسي من "الرض بعد الصدمة PTSD" أو كما يقال "داوِها بالتي هي داء"، وهو ما دفعها إلى اتخاذ قرار بزيارة فرع الأمن الجنائي ما إن تصل إلى سوريا. لا تزال صفا في فرنسا بعد خروجها من معتقلات النظام البائد عام 2014، وتدرس الإرشاد النفسي في تخصصها الجامعي.
لكن ما شاهدته على منصات التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو لركن "متحف السجون"، جعلها -كما تقول- تعيد حساباتها بشأن مواجهة مكان الاعتقال أو الدخول إليه مجدداً؛ إذ إنّ ما شاهدته في الآونة الأخيرة جعلها تدرك بأن آثار الصدمة النفسية لا تزال موجودة وهي تستردّ كاملةً بما فيها من ألم وحزن بمجرد رؤية صورة أو سماع صوت أو مشاهدة مقطع من فيديو أو حتى مسلسل يحاكي واقع المعتقلات.
أبواب زنزانات حقيقية في ركن متحف السجون - معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)تقول سلما لموقع تلفزيون سوريا: "رغم محاولاتي بأن أكون قوية، إلا أن لحظات من الألم والانهيار كانت أقوى مني، ولا سيما حينما نتذكر مَن استُشهدوا في المعتقلات ونتمنى لو أنهم موجودون".
وتؤكد سلما على ضرورة هذا النوع من المتاحف لتخليد ذكرى المعتقلين، وتوثيق حال المعتقلات في زمن النظام المخلوع ووحشية تلك المرحلة، ولا سيما مع وجود مدافعين عن تلك الحقبة. وكانت سلما قد اعتُقلت في عام 2014 لمدة 6 أشهر بتهمة "تمويل إرهاب".
تتابع سلما حديثها: "هناك رسالة كان يجب أن تصل من خلال هذا المتحف، وهي أن ثمن النصر كان غالياً ودُفع من دماء المعتقلين. وكنا نتمنى لو أن هناك مقارنة بين حال السجون في زمن النظام المخلوع وفي الوقت الحالي؛ فإصلاح الإنسان هو الأولوية".
اقرأ أيضاً
أدوات التعذيب في ركن متحف السجون - معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)وترى الناجية حلا هزاع مديرة منظمة "ناجيات سوريات" أن هناك خللاً جوهرياً في طريقة التعامل مع ذاكرة الاعتقال والتعذيب في سوريا، ولا سيما أن السجون ومعتقلات الفروع الأمنية في عهد النظام هي ليست أدوات يمكن نقلها وعرضها، بل هي ذاكرة وطنية مؤلمة وشاهدة على الجرائم.
وبينما تؤكد هزاع على ضرورة مبدأ التوثيق، تشير في الوقت نفسه إلى أسئلة جوهرية مطروحة حول كيفية التوثيق وسياق تقديمها، إذ لا يجب تحويلها إلى معرض تجاري واقتصادي لا ينسجم مع أهمية مسارح الجريمة وحجم الألم الذي احتوته.
وتقول هزاع لموقع تلفزيون سوريا: "كان الأجدى أن تُبنى هذه الذاكرة ضمن متاحف وطنية متخصصة، تُعنى بالتوثيق والبحث وجمع الشهادات، وتعرض تاريخ المعتقلات والانتهاكات ضمن سياق يساعد على فهم ما حدث ويمنع تكراره، لا ضمن مساحة قد تعيد إنتاج الصدمة للضحايا".
شروط غائبة
علّقت وزارة الداخلية في ركن متحف السجون تحذيراً يماثل ذلك الذي يسبق مشاهدة فلم رعب، "ينصح بعدم دخول ما دون 18 عاماً"، كما وضعت تحذيراً خاصّاً بأنه غير مناسب لـ "الحوامل" "معتقل سابق" "أصحاب القلب الضعيف".
المصدر