
تلفزيون سوريا: الجمعة, 4 أيلول 2026 الساعة 7 صباحاً
من جبل قاسيون كان معنى دمشق يُرى قبل أن يُشرح، مدينة تتكئ على الجبل وتطوّقها المساحات الخضراء من الشرق والغرب، في حين تمتد البساتين على ضفاف بردى، كأنّ الطبيعة نسجت حول العاصمة نظاماً للتبريد والحماية قبل أن تعرف المدن الحديثة -بقرون- مصطلحات الاستدامة والتخطيط الحضري.
كانت الغوطة، بشقيها الشرقي والغربي، جزءاً من هوية دمشق بقدر ما كانت مورداً للغذاء والماء والهواء ومكاناً للنزهة.
حتى إنّ الأمم المتحدة وصفت الغوطة الشرقية بأنها كانت تُعد "رئة دمشق"، قبل أن يتآكل جزء كبير من هذا الإرث تحت ضغط التوسع العمراني، ثم تأتي سنوات الحرب بما حملته من دمار وتجريف وحرائق وتراجع في النشاط الزراعي.
وتشير دراسات حديثة إلى انحسار واضح في الغطاء النباتي للغوطة، على امتداد العقود الماضية، في وقت تربط فيه أبحاث بيئية بين تقلص المساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة وتدهور نوعية الهواء داخل المدن.
لهذا يبدو النقاش الدائر اليوم حول مستقبل "مطار المزة العسكري" أكبر من مجرّد نقاش بشأن منشأة جوية لطيران مدني خاص، ففي أحد جوانبه، هو سؤال عن شكل دمشق، التي يريد السوريون أن يعيشوا فيها بعد الحرب: أين تنتهي حاجة الاستثمار، وأين تبدأ حاجة المدينة إلى أماكن لا تُقاس قيمتها بعدد الشقق المباعة أو بحجم الإيرادات السنوية؟
حين تتسارع الاستثمارات.. ماذا يبقى للناس؟
نعم، تدخل سوريا مرحلة تحتاج فيها إلى رأس المال وفرص العمل وإصلاح بنية تحتية أنهكتها سنوات طويلة من الحرب والعزلة، ومن الطبيعي أن تتصدر الاستثمارات وإعادة الإعمار أولويات المرحلة.
ومنذ إسقاط نظام المخلوع، في 8 من كانون الأوّل 2024، توالت إعلانات عن مشاريع بمليارات الدولارات، من "دمشق الجديدة" ومشاريع سكنية في ريف العاصمة، إلى تطوير مطار دمشق الدولي، فضلاً عن بوليفاردات ومجمعات سكنية وتجارية في دمشق وعدد من المحافظات.
اقرأ أيضاً
خطط أولية لتحويل المطار المزة من عسكري إلى مدني
وكون المشروع ما يزال في مرحلة الدراسات، فإنّ النقاش حول مستقبل الموقع يمنح أهمية إضافية، فالقرار الذي اتُخذ بشأن أرض بهذا الحجم والموقع لن يخص قطاع الطيران وحده، بل سيترك أثره في العاصمة دمشق ومدينتي داريا والمعضمية والمناطق المحيطة لعقود قادمة.
مطار ثانٍ أم خدمة يمكن استيعابها؟
عودة المستثمرين والشركات والوفود إلى سوريا ستخلق -بطبيعة الحال- طلباً على الطيران الخاص والخدمات المخصصة لرجال الأعمال، وتوفير هذه الخدمات جزء من إعادة وصل الاقتصاد السوري بالعالم، لكن السؤال يتعلق بالطريقة الأنسب لتوفيرها في المرحلة الراهنة.
فمطار دمشق الدولي نفسه يدخل مشروع تطوير تقدر قيمته بأربعة مليارات دولار، ويستهدف رفع طاقته في مراحله النهائية إلى نحو 31 مليون مسافر سنوياً، كما يتضمن التصور المعلن للمطار صالات لكبار الشخصيات والطيران الخاص، وقد شهد في آب الفائت، افتتاح صالة جديدة للضيافة ودرجة رجال الأعمال.
وهذا يضع خيارين قابلين للمقارنة أمام صانع القرار: تطوير منظومة متكاملة للطيران التنفيذي داخل مطار دمشق، الذي يعاد تأهيله وتوسيعه أصلاً، أو تشغيل مطار إضافي لهذه الوظيفة في المزة.
وحتّى الآن، لم يتضمن الإعلان الخاص بمطار المزة أرقاماً منشورة عن حجم سوق الطيران التنفيذي المتوقع، أو عدد الرحلات التي تجعل تشغيل منشأة مستقلة الخيار الأكثر جدوى.
اقرأ أيضاً
تحقيق: مطار المزة العسكري شهد إعدامات ميدانية وإخفاء قسري لأكثر من 28 ألف معتقل
وهنا يدخل أبناء داريا ومعضمية الشام إلى جانب المقيمين فيهما منذ عقود، في صلب النقاش، فالمدينتان الملاصقتان للمطار عاشتا طويلاً تحت تأثير المنشأة العسكرية وما فرضته من قيود على التوسع العمراني والمخططات التنظيمية ومستقبل الأراضي المحيطة بها.
الباحث الحقوقي والمستشار القانوني أسامة أبو زيد -من سكّان داريا والمعتقل السابق في مطار المزة العسكري- يرى أن مستقبل الموقع لا يمكن فصله عن ذاكرته ولا عن أثره على المنطقة المحيطة، فقد اعتُقل خلال سنوات الثورة في المطار وأقبية المخابرات الجوية، لذلك يعتبر أن المكان يحمل بالنسبة إلى معتقليه وأبناء داريا والمعضمية تاريخاً ثقيلاً.
ويطرح "أبو زيد" أسئلة عن سبب اختيار المطار تحديداً، والدراسات التي استند إليها القرار، والجهات التي جرت استشارتها قبل تحديد مستقبله، ويمتد موقف "أبو زيد" إلى البعد العمراني، إذ يشير إلى أنّ وجود المطار فرض لعقود قيوداً على توسّع داريا ومعضمية الشام ومخططاتهما التنظيمية ومستقبل الأراضي المحيطة.
ويدعو إلى إشراك أصحاب الأراضي والجوار والفعاليات المحلية والخبراء في أي قرار يتعلق بالمنطقة، مؤكداً أن المطلوب ليس امتيازات لداريا، وإنما أن يُسمع صوت أهلها في قرار سيترك أثره لعقود، ضمن رؤية لإعادة الإعمار تشمل العدالة التنموية واحترام الملكية ومشاركة المجتمعات المحلية.
أمّا الصحفي تمام أبو الخير، وهو من أبناء داريا، فركّز على جانب أكثر مباشرة يتعلق بالتخطيط، متسائلاً عن أثر استمرار المطار على التنظيم العمراني والاستثمار في المدينة، وخصوصاً في منطقة الخليج، وعن موقع رأي أهالي داريا والمعضمية في قرار يمس مستقبل الأراضي والمشاريع المحيطة.
هذه الأسئلة لا تتطلب اتخاذ موقف مسبق مع المشروع أو ضده، فوجود مطار عامل يفرض بطبيعته اعتبارات تتعلق بالضجيج ومسارات الطائرات وارتفاعات الأبنية واستخدامات الأراضي، وبالتالي فإنّ مستقبل داريا والمعضمية ليس تفصيلاً جانبياً في دراسة مستقبل الموقع.
وإذا اختير خيار الحديقة يوماً، يمكن لذاكرة المكان أن تكون جزءاً منها أيضاً، مساحة تذكارية أو متحف صغير يوثق ما حدث في المطار يمكن أن يحفظ الذاكرة، ويمنح الموقع في الوقت نفسه وظيفة جديدة: أن يتحول المكان الذي ارتبط بالخوف والمنع إلى فضاء يستطيع السوريون دخوله بحرية.
الغوطتان.. حين تضيق رئتا دمشق
في النهاية، تعود المسألة إلى دمشق وغوطتها، التي كانت تاريخياً أكثر من مجرّد حزام أخضر حول العاصمة، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أنها وفّرت -قبل الحرب- نسبة كبيرة من الفاكهة والخضراوات المنتجة في دمشق وريفها، قبل أن تتعرّض لسنوات من الحرب وتراجع المياه والجفاف.
وفي موسم 2024-2025، انخفضت كميات الأمطار بصورة حادة، في حين أطلقت محافظة ريف دمشق لاحقاً، حملات لاستعادة الغطاء النباتي في أجزاء من الغوطة المتضررة.
اقرأ أيضاً
صورة متخيلة لـ مطار مزة العسكري بعد تحويله إلى "حديقة وطنية" (Ai)طبعاً، قد تعود الطائرات إلى المدرج إذا أثبتت الدراسات أن تشغيله كـ"مطار مدني مخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال" هو الخيار الأكثر جدوى، لكن من حق دمشق أيضاً أن تدرس احتمالاً آخر بالجدية نفسها: أن يتحوّل مكان ظل لعقود عسكرياً ومغلقاً ومثقلاً بذاكرة السجن إلى مساحة مفتوحة للناس.
ففي مدينة تضيق رئتاها عاماً بعد عام، قد تكون القيمة الأبعد أثراً لهذه الأرض في ألا تعود مجرد مدرج للطائرات، بل أن تصبح رئة جديدة لدمشق: فضاءً مفتوحاً للسماء والناس، وواحدة من تلك المساحات النادرة، التي يُمكن تركها للأجيال القادمة.
المصدر