قانون "تجريم الأسدية" وظاهرة أمجد يوسف



تلفزيون سوريا: الاثنين, 1 حزيران 2026 الساعة 2 مساءً

تقف أدوات التحليل السياسي شبه عاجزة عن تحليل الظاهرة "الأسدية"، فهي ظاهرة فريدة تتجاوز في جوهرها البعد السياسي البسيط، والذي يتمثل في الحكم الفردي أو الاستبداد، فلا تكفي قراءة حكم حافظ الأسد وبشار الأسد بوصفه شكلاً من أشكال السلطوية العربية التقليدية، التي تقوم على قمع المعارضين أو إخضاع المجتمع لمتطلبات الحاكم ورؤيته، فما تشكل في سوريا خلال أكثر من نصف قرن تجاوز حدود الاستبداد السياسي بكل أشكاله التاريخية السابقة، وتحوّل إلى بنية عنفية مكتملة، تتسم بالتوحش الكامل، هذه الظاهرة لم تكن مجرد احتكار للسلطة أو للمنافع في المجتمع، أو سيطرة محكمة على المجال العام، وإنما نظاماً منهجياً لإنتاج الخوف والكراهية، وتفكيك البنية المجتمعية للمناطق السورية المختلفة، وهدم الثقافة الوطنية الجامعة، وتحويل الدولة إلى آلة طاعة وإذلال وقتل وعنف ممتد، مع توظيف الانتماءات الطائفية، وتشكيل الأجهزة الأمنية ضمن سياق بناء العصبية الدينية الملتفة حول القائد، لا بصفته زعيماً سياسياً، بل بصفته "حامي الطائفة"، والمعبر عن عنفها الأقصى، وعن كراهيتها للآخر، لمجرد أنه آخرٌ مختلف عنها دينيا ومذهبياً، فدولة "الظاهرة الأسدية"، لم تعترف يوماً بالمواطنة والوطن والمجتمع الواحد، تحولت إلى احتلال داخلي، يحكم الرعية الخاضعة، بعد تصنيفها كعدو يجب قتله إذا تحرك أو طالب بحقوق له. الإخضاع المستدام: العنف كممارسة مؤسسية مجازر حماة وما أعقبها من مجازر في سجن تدمر وفي المدن السورية الأخرى من حلب إلى جسر الشغور، لا يمكن تفسيرها باعتبارها عنفاً سياسياً استبدادياً، بل هي ممارسة دأب عليها المحتلون لأنهم يرون في الشعوب الواقعة تحت الاحتلال مجرد موضوع للإخضاع الدائم، ولذلك يمكن فهم سلوك سرايا الدفاع في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي في دمشق، أو سلوك الجلادين في سجن صيدنايا، وفي أقبية أجهزة المخابرات، فهم كانوا قوة "احتلال داخلي" تمارس كل عنفها على مجموعة من السكان تم تجريدهم من صفتهم الإنسانية والوطنية، لشرعنة عملية قتلهم بهذه الطريقة الوحشية، والتي لم يبلغ قعرها الاحتلال الصهيوني في أدنى درجات انحطاطه. إن جرائم القتل التي ارتُكبت بحق معتقلين عُزّل في سجن صيدنايا وغيره من السجون السورية، وجرائم قصف المدن السورية بالسلاح الكيماوي وبالبراميل المتفجرة، لا يمكن فهمها فقط بوصفها أدوات لإخضاع المعتقلين أو ترهيب المجتمع وكسر إرادته، على الرغم من أن الإخضاع والترهيب كانا جزءاً مركزياً من آليات عمل "الظاهرة الأسدية"، فهذه الجرائم تكشف، في مستوى أعمق، عن تحوّل العنف إلى ممارسة مؤسسية شبه روتينية، يمارسها الجلاد لا بوصفها فعلاً استثنائياً يحتاج إلى تبرير أخلاقي، بل بوصفها امتداداً طبيعياً لوظيفته داخل آلة أمنية ضخمة، نزعت عن الضحية صفتها الإنسانية، وحوّلت القتل والتعذيب والإذلال إلى إجراءات يومية قابلة للتكرار. يتبدى هذا المعنى في حالة المجرم أمجد يوسف، كما ظهر في شهاداته ومواقفه العلنية، إذ لا يبدو أن الجريمة عنده تستدعي مراجعة أخلاقية أو شعوراً بالندم، بل تظهر كفعل مبرر داخل منظومة وعي مشوهة، بل وكفعل يمكن التفاخر به لأنه صدر، في بعض وجوهه، عن مبادرة ذاتية ـ حسب قوله - لا عن أمر مباشر فحسب، وإذا ثبت تورطه في قتل أطفال الطبيبة الشهيدة رانيا عباسي، فإن حالته ستغدو من أكثر الصور تكثيفاً ورمزية للظاهرة الأسدية، فالجريمة هنا ليست مجرد واقعة قتل داخل سياق قمع سياسي، بل تتحول إلى فعل إفناء رمزي، تتداخل فيه الكراهية الطائفية الملتاثة بوعي تاريخي مشوه وزائف، مع ثقافة أمنية أنتجت عدواً داخلياً مطلقاً، وجعلت قتله أو محوه أو إذلاله فعلاً قابلاً للتبرير. غير أن أهمية هذه الحالة لا تكمن في هوية الجلاد الطائفية بذاتها، بل في الكيفية التي وظّفت بها المنظومة الأسدية العصبيات والانتماءات المغلقة وحوّلتها إلى طاقة قتل، فالقاتل، في مثل هذه البنية، لا يقتل فقط لأنه تلقى أمراً، ولا لأنه يواجه خصماً مسلحاً، بل لأنه يرى في الضحية تجسيداً لجماعة دينية معادية ينبغي كسرها أو إبادتها رمزياً، هنا يصبح القتل فعلاً موجهاً ضد الوجود الاجتماعي للآخر، لا ضد فرد محدد فحسب، ومن هذه الزاوية، يمكن مقاربة بعض جرائم الأسدية بنيوياً مع جرائم الكراهية الجماعية في التجربة النازية، من حيث الآلية الذهنية التي تُختزل فيها الضحية إلى هويتها، فيُقتل اليهودي لأنه "يهودي"، ويُقتل السوري المعارض، أو السني في المخيال الأمني الطائفي لأنه يمثل، في وعي الجلاد، جماعة ينبغي إخضاعها أو سحقها والثأر منها. تبدو الأسدية أقرب إلى بنية توتاليتارية عنفية كبيرة وذات امتدادات وظيفية بصبغتها الطائفية، فهي لم تنتج الجريمة فقط من خلال قرارات القمة، بل عبر جهاز واسع من الموظفين الأمنيين والعسكريين والقضاة والمخبرين والحراس والأطباء الشرعيين والإعلاميين وا لفنانين والكتاب والأكاديميين... شر قابل لأن يصبح عادياً قدمت حنة أرندت، في تحليلها لمحاكمة أدولف إيخمان في كتابها "تفاهة الشر"، فهماً أولياً لهذا النمط من الشر، لا بوصفه شيطانياً دائماً، أو استثنائياً بالمعنى الميتافيزيقي، بل بوصفه شراً قابلاً لأن يصبح عادياً، حين يدخل في بنية بيروقراطية وطاعوية مطلقة تُعفي الفرد من التفكير الأخلاقي، فالشر الهائل قد يصدر عن أشخاص عاديين أو "تافهين كما هي حالة أمجد" حين يتوقفون عن التفكير، ويستبدلون الحكم الأخلاقي باللغة الإدارية، والطاعة، والوظيفة، والتدرج الهرمي، ويزداد الأمر خطورة إذا ترافقت هذه اللغة مع البعد الطائفي التعصبي المتعطش للثأر، وكما كان  إيخمان في قراءة أرندت لا يمثل مجرد وحش منفلت، بل موظفاً داخل آلة إبادة، يتحدث بلغة الأوامر واللوائح والاختصاصات، فإن أمجد ليس مجرد مجرم ارتكب جرائم متوحشة، بل هو جزء من آلة القتل التي أنشأتها "الظاهرة الأسدية" والقادرة على العمل الذاتي من دون الاضطرار لتلقي الأوامر الأمنية اليومية بالقتل، فانتماء المجرم لهذه الآلة، يجعل من ممارسته لفعل القتل أشبه بالعمل اليومي التلقائي. بهذا المعنى، تبدو الأسدية أقرب إلى بنية توتاليتارية عنفية كبيرة وذات امتدادات وظيفية بصبغتها الطائفية، فهي لم تنتج الجريمة فقط من خلال قرارات القمة، بل عبر جهاز واسع من الموظفين الأمنيين والعسكريين والقضاة والمخبرين والحراس والأطباء الشرعيين والإعلاميين وا لفنانين والكتاب والأكاديميين، أي عبر سلسلة كاملة من الأدوار الصغيرة التي جعلت الشر الكبير ممكناً، فهناك من يعتقل، ومن يحقق، ومن يعذب، ومن يكتب التقرير، ومن يزور الاعتراف، ومن ينقل الجثة، ومن يصدر الحكم، ومن يبرر في الإعلام، ومن يصمت خوفاً أو مصلحة، وفي اجتماع هذه الأدوار تتشكل آلة قتل لا تحتاج في كل لحظة إلى أمر مباشر، لأنها تكون قد صنعت مسبقاً "الوحش" القادر على تنفيذ الجريمة بوصفها واجباً، أو انتقاماً، أو خدمة للدولة أو للطائفة. تحويل الجريمة إلى نظام لإنتاج المعنى ولذلك فإن خطورة "الظاهرة الأسدية" لا تكمن في عدد الجرائم وحده، بل في تحويل الجريمة إلى نظام معنى، لقد أنشأت هذه الظاهرة عالماً يصبح فيه الضحية خطراً، والجلاد حامياً، والتعذيب إجراءً أمنياً، والقتل دفاعاً عن الدولة والطائفة، والاختفاء القسري تفصيلاً إدارياً، هنا تتلاقى قراءة أرندت للشر البيروقراطي، مع خبرة السجون السورية، فالشر لا يعمل فقط عبر الوحوش الاستثنائيين، بل عبر العاديين الذين يتعلمون ألّا يفكروا، وألّا يروا، وألّا يسمعوا صرخة الضحية إلا بوصفها جزءاً من العمل اليومي، ومن هنا تحديداً تكتسب الدعوة إلى ضرورة الإسراع بإصدار "قانون تجريم الأسدية" معناها الأعمق، فهي ليست دعوة لمعاقبة أفراد بعينهم فقط، بل لتفكيك اللغة والمؤسسات والرموز والذاكرة التي جعلت هذا النمط من الشر ممكناً وقابلاً للتكرار. وتجريم الأسدية، يجب أن لا يُرفع بوصفه شعاراً انتقامياً من مرحلة تاريخية سابقة، أو مجرد عزلٍ سياسي، بل باعتباره مطلباً قانونياً وأخلاقياً لحماية المجتمع من عودة البنية التي صنعت الجريمة، وأدت للمقتلة السورية، ويجب أن لا يُفهم من هذا  التجريم  بأنه موجهٌ ضد طائفة أو عائلة أو مذهب، بل هو تجريم منظومة سياسية أمنية وأيديولوجية قامت على عبادة الحاكم، وتقديس العنف، وتمجيد الطائفية، واعتبار قطاعات واسعة من السوريين أعداء قابلين للإبادة أو التهجير أو الإخفاء، إن أي تجريم منضبط يجب أن يميز بصرامة بين المسؤولية الفردية والوظيفية لمن شارك في القتل والتعذيب والتحريض، وبين المواطنين الذين وُضعوا، بما في ذلك علويون كثر، داخل بنية خوف واستغلال واحتكار للتمثيل. في ضرورة إصدار قانون تجريم الأسدية من الضروري بالنسبة لسوريا في سياق إصدارها لقانون تجريم الأسدية أن تستفيد من تجربة ألمانيا في تجريم النازية، لأن القانون هنا سيتعامل مع ظاهرة سياسية لم تكن مجرد نظام حكم استبدادي، بل أيديولوجيا عنف وكراهية، أنتجت جرائم جماعية وهددت أساس الاجتماع الوطني، فالنازية لم تُجرَّم في ألمانيا وأوروبا فقط لأنها ارتبطت بمرحلة تاريخية منتهية، بل لأنها حملت قابلية دائمة للعودة عبر الرمز، والإنكار، والتحريض، وتمجيد القتلة، وتبرير الإبادة، وإعادة إنتاج الضحية بوصفها عدواً، وهو ما نراه حالياً في كثير من الكتابات والنشاطات التي تعيد إنتاج " الضحايا السنة" باعتبارهم أعداء يجب محاربتهم.  ولذلك لم يكتفِ القانون الجنائي الألماني بمعاقبة الفعل الجرمي المباشر، بل جرّم أيضاً استخدام رموز التنظيمات المرتبطة بالنازية والدعاية لها، لأن الرمز في التجارب التوتاليتارية ليس تفصيلاً شكلياً، بل أداة تعبئة واستدعاء سياسي للعنف، كما جرّم التحريض على الكراهية والمساس بكرامة الجماعات عندما يتحول الخطاب إلى تهديد للسلم الأهلي والكرامة الإنسانية، وهذا المنطق هو ما ينبغي استحضاره سورياً، فالمشكلة لا تكمن في المسؤولين الذين أمروا أو نفذوا القتل والتعذيب، بل أيضاً في الشبكة الرمزية والخطابية التي تجعل هذه الجرائم قابلة للتبرير أو التكرار. كذلك على المستوى الأوروبي الأوسع، وضع القرار الإطاري للاتحاد الأوروبي لعام 2008 بشأن مكافحة العنصرية وكراهية الأجانب، أسس تجريم التحريض العلني على العنف أو الكراهية، وتجريم إنكار أو تبرير أو التقليل الجسيم من جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية عندما يكون ذلك موجهاً للتحريض أو تهديد السلم العام، هذه القاعدة تقدم نموذجاً مهماً لسوريا، فاحترام الحريات السياسية والإعلامية، لا يعني فتح المجال أمام خطاب يمجد الجريمة الجماعية أو يبررها أو ينكرها، لأن إنكار الجريمة ليس رأياً بريئاً دائماً، بل قد يكون المرحلة الأولى في إعادة تأهيل الجلاد سياسياً وأخلاقياً. لذلك، فإن "تجريم الأسدية" يجب أن يقوم على هندسة قانونية دقيقة لا على خطاب انتقامي، والمقصود هنا ليس تجريم الانتماء الاجتماعي أو الطائفي، ولا تحميل جماعة بعينها وزر جرائم نظام استخدمها واحتكر تمثيلها وأخضعها بدورها للخوف، بل تجريم منظومة سياسية أمنية محددة، بأجهزتها، ورموزها، وخطابها التحريضي، وشبكاتها التي شاركت في القتل والتعذيب والإخفاء القسري والتهجير، والارتزاق المادي من آلام الضحايا، وتجريم كل فعل علني يمجد هذه الجرائم أو يدعو إلى تكرارها أو يبررها أو ينكر وقوعها، وبهذا المعنى، يصبح التجريم دفاعاً عن العلويين والسنة والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والكرد وسائر السوريين، لأنه يحرر المجتمع كله من احتكار النظام السابق لهوياتهم وتحويلها إلى أدوات خوف متبادل. إن بناء سوريا الجديدة لا يكتمل بتفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية، وحظر حزب السلطة السابقة وحسب، بل يجب أن يكون وفق رؤية متكاملة تمنع العودة للماضي، لأن الأنظمة التوتاليتارية تترك وراءها ما هو أخطر من المؤسسات، تترك لغة تبرر القسوة، وذاكرة مشوهة، وشبكات مصالح، وخوفاً متبادلاً بين الجماعات.. تعدد مستويات التجريم هذا التجريم يجب أن يتأسس على ثلاثة مستويات متكاملة، المستوى الأول جنائي مباشر، يتصل بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى مبدأ أن القتل، والتعذيب، والإبادة، والاختفاء القسري، والتهجير، والاضطهاد السياسي أو الطائفي، عندما تُرتكب ضمن هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين، لا تعود جرائم داخلية عادية، بل جرائم تمس القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التعامل معها كأخطاء سياسية، هذا المستوى يجب أن يشمل من أصدر الأوامر، ومن نفذها، ومن سهّلها، ومن غطّاها قانونياً أو إعلامياً أو مالياً، مهما بلغ عدد الضالعين فيها، لأن العدالة المجتزأة هي أبشع أنواع الظلم. أما المستوى الثاني فهو وقائي دستوري، ويتعلق بحظر التنظيمات أو الكيانات التي تعيد إنتاج الأسدية كأيديولوجيا عنفية، سواء عبر تمجيد تلك المرحلة، أو الدعوة إلى استعادة الدولة الأمنية، أو تبرير المجازر، أو استخدام رموز الأجهزة والميليشيات التي ارتبطت بالقتل الجماعي، فكما أن بعض الديمقراطيات الأوروبية رأت أن حماية النظام الديمقراطي تقتضي منع التنظيمات التي تعمل على ِهدمه من الداخل، تحتاج سوريا إلى نصوص دستورية وقانونية تمنع عودة الاستبداد التوتاليتاري تحت أي ستار أو مسمى. أما المستوى الثالث فهو مستوى الذاكرة العامة، فالقانون لا يحارب الجريمة فقط بالمحاكم، بل أيضاً بحماية الحقيقة من الإنكار، ولذلك ينبغي تجريم إنكار الجرائم الكبرى التي ارتكبتها المنظومة الأسدية، أو التقليل العلني الجسيم منها، أو السخرية من ضحاياها، عندما يكون ذلك جزءاً من خطاب تحريضي أو دعوة لإعادة إنتاج العنف، وفي المقابل، يجب أن يحمي القانون البحث الأكاديمي، والنقاش التاريخي، والصحافة المهنية، كي لا يتحول تجريم الأسدية إلى أداة رقابة سياسية، بل إلى وسيلة لحماية الحقيقة والضحايا والمجال العام. من أجل منع عودة الماضي إن بناء سوريا الجديدة لا يكتمل بتفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية، وحظر حزب السلطة السابقة وحسب، بل يجب أن يكون وفق رؤية متكاملة تمنع العودة للماضي، لأن الأنظمة التوتاليتارية تترك وراءها ما هو أخطر من المؤسسات، تترك لغة تبرر القسوة، وذاكرة مشوهة، وشبكات مصالح، وخوفاً متبادلاً بين الجماعات، ولهذا فإن تجريم الأسدية ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع أوسع للعدالة يتضمن، أرشيفاً وطنياً للضحايا، وكشفاً عن مصير المفقودين، ومحاكمات عادلة، وإصلاح أمني شامل يبني أجهزة تلتزم بسيادة القانون وباحترام حقوق الإنسان، ومنع الإفلات من العقاب عبر التسويات والوساطات وتغيير الولاء، وتعليم عام يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية بوصفها أساس الدولة والاجتماع السياسي. بهذا المعنى، لا يكون تجريم الأسدية انتقاماً من الماضي، بل تحصيناً للمستقبل، فالمجتمع الذي يسمح بتمجيد جلاديه يفتح الباب لعودتهم بأسماء جديدة، والدولة التي تساوي بين ذاكرة الضحية ودعاية الجلاد، تفقد أساسها الأخلاقي، لذلك تحتاج سوريا إلى قانون واضح يقول إن الجريمة ضد الإنسانية ليست وجهة نظر، وإن تمجيد التعذيب ليس حرية تعبير، وإن إنكار المذابح ليس اختلافاً سياسياً، وإن الدولة المقبلة لا يمكن أن تقوم فوق رماد الضحايا إلا إذا جعلت من منع تكرار الجريمة مبدأ دستورياً لا مجرد خطاب عاطفيٍ تقدمه السلطة بين الحين والآخر.  

المصدر