من تركيا إلى بريطانيا وفرنسا.. نجاحات لافتة لـ"سوريا الجديدة" ولكن؟



تلفزيون سوريا: الاثنين, 1 حزيران 2026 الساعة 6 صباحاً

شارك الجيش السوري بمناورات عسكرية في تركيا ، أواخر أيار، إلى جانب الجيش المضيف، وجرى هذا بالتزامن مع مشاركة وزير المالية محمد يسر برنية في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لـ"مجموعة السبع" الأغنى بالعالم في العاصمة الفرنسية باريس، بينما شارك زميلاه وزيرا التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو والتعليم العالي مروان الحلبي بالمنتدى العالمي للتعليم في العاصمة البريطانية لندن. وتوجت هذه الفعاليات بالإعلان عن دعوة الرئيس أحمد الشرع للمشاركة في قمة "مجموعة السبع" بفرنسا، منتصف حزيران المقبل، ولا شك أننا أمام نجاحات خارجية سياسية وعسكرية واقتصادية وعلمية لسوريا الجديدة لا يمكن إنكارها أو غض الطرف عنها، وبالمقابل لا يجب الاكتفاء والانشغال بها على أهميتها عن السيرورة الداخلية والعمل لمواصلة الإنجازات الداخلية وعملية إعادة الإعمار والبناء على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تحديدا الدستورية والمؤسساتية باعتبارها القاعدة الأساسية والضرورية لتقدم ونهوض البلاد، ومن دونها لا معنى وللدقة لا قدرة على الاستفادة من النجاحات والانجازات والاختراقات الخارجية. إذن حملت مشاركة الجيش السوري بالمناورات العسكرية "زيرو-ايفيس 2026" في تركيا دلالات عدة أهمها وأولها ربما الانخراط المباشر مع الجيش التركي باعتباره واحد من اقوى عشرة جيوش العالم ويمتلك قدرات وخبرات قتالية هائلة وفي ساحات وميادين مختلفة، خاصة خلال العقدين الأخيرين، علماً أن المناورات تضمنت تدريبات فائقة الحداثة برية وبحرية وجوية مع استخدام كم كبير من القدرات العسكرية التكنولوجية المتقدمة جدا. في السياق السوري المباشر، شكّلت المشاركة بحد ذاتها تعبيراً عن عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، الجارية بقوة على المستويات الإدارية والعملياتية كافة، إلى جانب مواصلة العمل على اكتساب الخبرات القتالية والميدانية، والتعلّم من تقنيات وقدرات متطورة جداً.. وشهدت المناورات مشاركة عشرات الجيوش من مختلف أنحاء العالم، ما أتاح للجيش السوري، نظرياً، فرصة اكتساب خبرات مضاعفة، إذ بدت المشاركة بمثابة حاصل جمع لتدريبات منفردة ومتقدمة جداً مع تلك الجيوش. وفي السياق السوري المباشر، شكّلت المشاركة بحد ذاتها تعبيراً عن عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، الجارية بقوة على المستويات الإدارية والعملياتية كافة، إلى جانب مواصلة العمل على اكتساب الخبرات القتالية والميدانية، والتعلّم من تقنيات وقدرات متطورة جداً. ويأتي ذلك مع الانتباه إلى أن سيرورة "إعادة البناء" لا تزال في بداياتها الأولى، بعدما ترك نظام بشار الأسد وراءه أرضاً مدمّرة ومحروقة، خصوصا المؤسسة العسكرية، التي تحوّلت إلى ميليشيات ومجموعات مسلحة للدفاع عن النظام لا عن الوطن. إلى ذلك، ثمة أبعاد أخرى سياسية، وحتى اقتصادية واستراتيجية، تتعلق بالعلاقة الثنائية مع تركيا في سياقاتها المختلفة، ولا سيما مع حديث الرئيس رجب طيب أردوغان في الأيام الماضية عن تعاون يتجاوز البعد العسكري، ليشمل قطاعات النفط والمعادن، إلى جانب تكرار الخطاب الشائع وتأكيد أهمية الاستقرار في سوريا للإقليم والعالم. وخارج النطاق السوري ـ التركي المباشر، ثمة جوانب أخرى تتصل بمظلة الحماية لسوريا الجديدة، إذ تعي أنقرة جيداً أنها غير قادرة وحدها على توفير هذه المظلة، حتى مع امتلاكها قوة لافتة ومتعددة المستويات، لذلك، تبدو الحاجة ماسة إلى التنسيق والعمل الجماعي، خصوصاً مع الدول العربية المعنية باستقرار سوريا الجديدة وأمنها ونهوضها، وتقديم كل أشكال الدعم ضمن سياق تكاملي لا تنافسي، في ظل مصالح ثنائية راسخة مع دمشق، وأخرى جماعية مع الدول العربية، ولا سيما قطر والسعودية والأردن، وكذلك مع المجتمع الدولي المعني بدوره، والمدرك لأهمية استقرار سوريا وإعادة بنائها. هنا لا بد من التذكير بثوابت منتدى العقبة، المنعقد في 14 من كانون الأول/ديسمبر 2024، والتي يقول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان دائماً إن قيادة الرئيس أحمد الشرع التزمت بها، وشكّلت القاعدة لمظلة الحماية والدعم لسوريا الجديدة. وتتضمن هذه الثوابت وحدة البلاد وسلامة أراضيها، والحفاظ على مؤسساتها ومنع انهيارها، والحؤول دون انزلاق الأوضاع نحو الفوضى، ومحاربة التنظيمات الإرهابية، وإنجاز انتقال سياسي جامع من دون إقصاء. وفي السياق السوري، الثنائي والجماعي، ثمة بُعد جوهري آخر وقيمة مضافة لأهمية المناورات العسكرية؛ إذ تقدّم برهاناً ساطعاً على أن سوريا الجديدة ليست معزولة أو منبوذة، بل تشارك جيرانها ومحيطها الإقليمي والمجتمع الدولي في القيام بواجباتها ومسؤولياتها في حفظ الأمن والسلم. وبالتزامن مع المناورات، شارك وزير التربية والتعليم محمد تركو، برفقة وزير التعليم العالي مروان الحلبي، في اجتماع عالمي رفيع المستوى في لندن، ركّزا خلاله على إعادة البناء في سياقها التعليمي والأكاديمي، وكيفية الاستفادة من التقنيات المتطورة في هذا القطاع، إلى جانب توظيف قدرات السوريين الذين راكموا خبرات وتجارب هائلة في الشتات، وسبل مساهمتهم في إعادة بناء المؤسسات التعليمية والأكاديمية التي تركها الأسد، هي الأخرى، مدمّرة ومحروقة، وكما المناورات العسكرية، ثمة بُعد سياسي هنا يتجاوز الشق التعليمي، على أهميته، ويؤكد حقيقة أن سوريا الجديدة ليست معزولة أو منبوذة، بل منفتحة، كما كانت دائماً قبل حقبة البعث وآل الأسد، على نفسها ومحيطها والعالم. وفي الأسبوع نفسه، شارك وزير المالية محمد يسر برنية في اجتماع اقتصادي رفيع المستوى لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة الدول السبع الأغنى والأقوى في العالم، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، في العاصمة الفرنسية باريس. وهنا أيضاً يبرز بُعد اقتصادي لمواكبة ودعم سيرورة إعادة البناء والتنمية في سوريا الجديدة، إلى جانب بُعد سياسي واضح يتجاوز الإطار المالي ـ الاقتصادي، أو يؤكد، على نحو أدق، المعطيات والاستنتاجات السابقة بشأن مظلة الحماية لسوريا الجديدة، غير المنبوذة أو المعزولة، والحاضرة والنشطة في التجمعات والهيئات الإقليمية والدولية. وتُوّج الأسبوع الحافل بالإعلان عن دعوة الرئيس أحمد الشرع للمشاركة في قمة مجموعة السبع، المقررة في فرنسا منتصف شهر حزيران المقبل.. وتضعنا الجزئيات السابقة أمام صورة عامة للمشهد في سوريا الجديدة، تتضمن سلّة متكاملة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، وبالمحصلة استراتيجية، لسيرورة إعادة البناء والإعمار والتنمية، وإضافة إلى المعطيات السابقة، على أهميتها، لا بد من الإشارة إلى معطيين مهمين كذلك. أولهما الموقف الإسرائيلي الغاضب من عملية إعادة بناء الجيش السوري، مؤسساتياً وعملياتياً، وامتلاكه تقنيات حديثة ومتطورة. كذلك، تبدو "تل أبيب" قلقة من التعاطي الدولي مع القيادة والمؤسسة العسكرية ـ الأمنية في سوريا الجديدة، التي تتهمها بالإرهاب، علماً أن إسرائيل هي آخر من يحق له الحديث في هذا الشأن، كونها قامت، ولا تزال، على الإرهاب والإبادة، كما تبدّت صورتها البشعة التي لا يمكن تجميلها أو تزييفها في حرب غزة. تبدو الدولة العبرية عاجزة عن التأثير في سيرورة بناء سوريا الجديدة ونهوضها، أو قطع مسارها داخلياً وخارجياً.. وقد دفع ذلك الأمم المتحدة إلى إضافتها، يوم الجمعة، إلى اللائحة السوداء للدول المتهمة بارتكاب انتهاكات وجرائم جنسية في النزاعات المسلحة، بالتوازي مع تقرير موثق لـ"هيومن رايتس ووتش"، أكد بدوره التحقيق المهني والموثق والشجاع الذي نشرته "نيويورك تايمز"، أوائل أيار الفائت. إلى ذلك، تبدو الدولة العبرية عاجزة عن التأثير في سيرورة بناء سوريا الجديدة ونهوضها، أو قطع مسارها داخلياً وخارجياً، والمفارقة اللافتة هنا أن إسرائيل هي التي تبدو اليوم منبوذة ومعزولة دولياً، ويُلاحَق قادتها السياسيون والعسكريون، بينما تُفتح الأبواب أمام سوريا الجديدة وقيادتها. أما المعطى الثاني، والأهم، فهو سوري داخلي بامتياز، فالإنجازات والاختراقات الخارجية مهمة جداً وتستحق الاحتفاء بها، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تجاهل أو إهمال مواصلة سيرورة البناء وإعادة الإعمار على المستويات كافة، ليس فقط الاقتصادية والاجتماعية، وتحديداً البنى التحتية الصحية والتعليمية والخدماتية، على أهميتها، وإنما أيضاً على المستوى المؤسساتي والدستوري، مع انطلاق عمل البرلمان، وسنّ القوانين والمراسيم الضرورية للعمل السياسي والحزبي، وتشكيل لجنة كتابة الدستور، وإطلاق حوار وطني جامع، بما يتيح تجاوز المرحلة الانتقالية الصعبة بنجاح وأمان.

المصدر