
تلفزيون سوريا: الاثنين, 1 حزيران 2026 الساعة 6 صباحاً
بدأ الاعتراض على سلطة أحمد الشرع منذ اليوم الأول لوصولها إلى دمشق تقريباً، واتسع عندما أضيفت إليه كتل بشرية شبه كاملة بعد مجازر معروفة، وتبلور على يد أسماء اشتهرت بذلك في ما تنتجه من مقالات أو برامج حوارية عبر يوتيوب أو منشورات على فيس بوك، وظهرت لهذا الخط منصات إعلامية محترفة نسبياً ببرامج ساخرة منتظمة.
وقد أدى كل ذلك إلى تزايد الطلب على سقطات الحكومة التي، والحق يقال، لم تقصّر في العرض نتيجة لعيوبها الكثيرة، لكن النقص في شفافيتها، وصعوبة الوصول إلى كل قراراتها والتعرّف إلى سيَر فاعليها؛ جعلت المعروض أقل مما يحتاج إليه الطالبون.
فاستفحل الترند، أي الموضوع الواحد الذي يتناوله الجميع، تجده على صفحات وفي فيديوهات أكثر المعارضين، ثم مقلوباً ومبرَّراً على منابر الموالين، وهكذا، فصار من المعتاد أن تستنتج أن سيرة اليوم هي المناصب التي يشغلها الإخوة بدوي من بنّش، أو موكب وزير الأوقاف، أو تصريح خارج السياق لحسن الدغيم..
لا يمكن تجنّب هذا كلياً في ظل الشقاق العميق الحاصل الآن بين السوريين، والضخ الكثيف من الطرفين، أو قل الأطراف، وطالما أن للحكم منابر كثيرة؛ رسمية ورديفة ومؤثرين، نشطة للدعاية له على مدار اليوم، مما يفرض على معارضيه إيقاعاً حثيثاً موازياً في المتابعة والإنتاج، غير أن ذلك خلّف عيوباً متكررة في خطاب الإعلام المعارض بدرجاته، تهدف الإشارة إليها هنا إلى تحسينه وتمتينه مما يجعله أكثر إقناعاً، بما أن هدف كل إعلام هو إقناع المتلقي بما يطرح.
بعد أشهر من انفتاح الإعلام السوري على بعضه، إثر سقوط النظام، عادت الفقاعات لتغلّف إعلام كل جماعة أهلية/ سياسية بما يناسب سرديتها للحاضر والماضي، ويرتّب الوقائع ويغربلها ويفسرها بشكل يدعم مرافعتها المحددة..
انطلاقاً من هذه النقطة ندخل إلى أول العيوب، وهو أن بعض المنابر، لا سيما المنظمة منها، قنعت بأن تقدّم لجمهورها الثابت، المعارض في الأساس، وجبة يومية من السخرية والانتقاد وشفاء الغليل، وطاب ذلك لمتابعيها، من دون أن ينشغل فاعلوها بوظيفة أهم هي استمالة الجمهور الوسط إلى أفكاره، وحتى هزّ قناعات المؤيدين جدياً.
والحقيقة أنه بعد أشهر من انفتاح الإعلام السوري على بعضه، إثر سقوط النظام، عادت الفقاعات لتغلّف إعلام كل جماعة أهلية/ سياسية بما يناسب سرديتها للحاضر والماضي، ويرتّب الوقائع ويغربلها ويفسرها بشكل يدعم مرافعتها المحددة، بما يتضمنه ذلك من رموز ومعالم تجعل خصوصيتها من "الغريب" أكثر غربة وأقل قابلية للتفهم والتعاطف، والأشد من ذلك هو أن بعض إعلام وإعلاميي "المكونات" الطائفية، التي نفضت يدها من سوريا، لم يعد ينشغل أصلاً بالتوجه إلى باقي أبنائها إلا بقصد تسجيل النقاط والجدال والمناكفة المتبادلة.
ومن جهة أخرى فرض الإلحاح على السبق، والغضب المحرّك، نقصاً في التأكد من الخبر وفهم سياقاته والاعتناء بحدٍّ من الموضوعية يحتاج إليها الإعلام ليحمي نفسه، على الأقل، من صيد مخالفيه المتربصين للنيل منه، لكن يبدو أن بناء تراث من المصداقية لم يعد، لدى كثيرين، على رأس سلم الأولويات في أجواء الحرب الأهلية الافتراضية الموّارة.
كذلك، فإنّ السرعة في التقاط الترند والمشاركة فيه، أو صناعته، أخذت كثيرين إلى خارج ما يتقنونه من فنون فأتوا بالعجائب، كمحاربة نشر التسلف والدفاع عن الأشعرية ممن لم يسمع بها قبلاً، والكلام على عواهنه في الاقتصاد، وتشريح "نموذج إدلب" من قبل من لم يتابعه يوماً ويظن أن اللقب السابق لوزير الداخلية في السلطة، أنس خطاب، هو "أبو حدود".
وذلك فضلاً عما ينتجه الوقوف مع كل ترند معارض من فتح الباب على تناقض المواقف اليومية وتشوّش الصورة العامة للمعارض في أنظار المتابعين، إذ ينتقل، بين ليلة وضحاها، من الدفاع عن مضافة آل السباعي بحمص، مشيداً بالعائلات العريقة، إلى الذود عن حياض نقيضهم.
يفتي في المخطط التنظيمي لدمشق وفي مشكلة القمامة بحلب وفي التسعيرة العادلة لطن القمح وفي أسباب الصدام مع الأوزبك! وهو، على طول الخط، معارض مرٌّ لا يجد لسلوك السلطة أي وجاهة، لأنه إن فعل ذلك خيّب أمل جزء من متابعيه ومستضيفيه، ودخل في دائرة الشك: هل "أخدله كم ورقة"؟
وكان للقنوات التلفزيونية اللبنانية دور في إقناع شريحة سورية واسعة بأن السياسة هي حرتقات نادٍ شبه مغلق من الرجال المحترفين الذين لا يتسمون بالنزاهة على الأرجح، يغيّرون مواقفهم حسب "السوق" الانتخابي أو وفق رغبات حليف داعم بالمال..
تحتاج سوريا إلى معارضة متزنة، وليس من الضروري أن يقلل ذلك جذريتها في مناهضة الحكم إذا شاءت، لكن الإقناع لازم لتراكم رصيد من الثقة ربما ينفع في الوقوف في وجه الجنون الكاره المنتشر وفي استعادة السوريين الإيمان بالعمل العام يوماً ما.
وقد سبق القول، في مناسبات أخرى، إلى أن افتقارهم إلى الحياة السياسية لعقود دفعهم إلى التلصص عليها في تجارب مجاورة، وكان للقنوات التلفزيونية اللبنانية دور في إقناع شريحة سورية واسعة بأن السياسة هي حرتقات نادٍ شبه مغلق من الرجال المحترفين الذين لا يتسمون بالنزاهة على الأرجح، يغيّرون مواقفهم حسب "السوق" الانتخابي أو وفق رغبات حليف داعم بالمال من خارج البلاد.
ولا ينقص السوريين، بعقلية الأسود أو الأبيض المنتشرة حتى الآن، سوى هذا ليزداد نفورهم من السياسة ويتهافتوا على نموذج الزعيم، وهو الذي يملك الكاريزما وإن افتقر ضمنياً إلى المؤهلات الفعلية، ويجد طريقه إلى سيوف بني قومه عن طريق مشاعرهم، فيقودهم في درب الحرب على الآخرين في داخل الحدود في حين هم يرددون أهازيج الموت وحداء الإبل، في داحس والغبراء لا تنتهي!
المصدر