
تلفزيون سوريا: الاثنين, 1 حزيران 2026 الساعة 6 صباحاً
عاد ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى الواجهة مجدداً بعد الإعلان عن العثور على ذخائر ومواد مرتبطة بالبرنامج الكيميائي الذي كان يديره النظام المخلوع، في تطور وصفه مختصون بأنه قد يشكل نقطة تحول في مسار التحقيقات الدولية.
وتنبع أهمية هذه المكتشفات من كونها توفر أدلة مادية مرتبطة بهجمات سبق توثيقها، بعد سنوات اعتمدت خلالها التحقيقات على شهادات الضحايا والمسعفين والتقارير الطبية، في ظل غياب الأدلة المادية.
ويؤكد مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا أن العثور على ذخائر من مخلفات الهجوم الكيميائي على حلب عام 2016 من شأنه أن يعيد تنشيط التحقيقات المتعلقة بهذه القضية داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ذخائر حلب.. الحلقة المفقودة في التحقيقات
بحسب مدير مركز توثيق الانتهاكات الكيماوية في سوريا نضال شيخاني، فإن العثور على ذخائر مرتبطة بهجمات حلب يمثل تطوراً بالغ الأهمية، ليس فقط لأنه يثبت استخدام الأسلحة الكيميائية، وإنما لأنه يوفر للمرة الأولى أدلة فيزيائية يمكن ربطها بالشهادات والأدلة الطبية التي جُمعت خلال السنوات الماضية.
وأشار شيخاني خلال لقاء على شاشة تلفزيون سوريا، إلى أن مدينة حلب تعرضت لـ52 هجوماً بالأسلحة الكيميائية، وأن المركز تمكن سابقاً من جمع شهادات أكثر من 200 شاهد وتقديمها إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى جانب توثيق إفادات طبية وشهادات مسعفين وناجين. إلا أن غياب الذخائر أو بقايا الأسلحة المستخدمة كان يشكل عقبة أساسية أمام استكمال التحقيقات.
واليوم، ومع العثور على البراميل الصفراء التي ارتبط استخدامها بهجمات الكلور في سوريا، أصبح بالإمكان مقارنة الأدلة الجديدة بالشهادات السابقة واستكمال ملف الجريمة بصورة أكثر تكاملاً، ما يمنح منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مساحة أوسع للتحقيق وإصدار تقارير تستند إلى أدلة مادية مباشرة.
مؤشرات على برنامج أكبر من المعلن
لا تقتصر أهمية المكتشفات الأخيرة على ملف حلب وحده، إذ يؤكد شيخاني أن العثور على رؤوس صاروخية وذخائر أخرى، بينها قنابل مشابهة لتلك المستخدمة في هجوم خان شيخون عام 2017، إضافة إلى العثور على مكونات تدخل في تصنيع غاز السارين، يشير إلى أن البرنامج الكيماوي الذي كان يديره النظام المخلوع ربما كان أوسع مما أُعلن عنه رسمياً.
ويرى أن هذه المعطيات تعزز الشكوك التي أثيرت سابقاً بشأن عدم اكتمال الإعلانات التي قدمتها دمشق بعد انضمامها إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، وتؤكد أن النظام المخلوع أخفى أجزاء من برنامجه الكيميائي أو لم يكشف عنها بصورة كاملة أمام المجتمع الدولي.
كما يعتبر أن ما يجري اليوم يعكس توجهاً مختلفاً من جانب السلطات السورية الجديدة، التي تتحدث عن سياسة انفتاح وتعاون مع الفرق التقنية التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يسمح بالكشف عن المواقع والمخزونات المتبقية والعمل على التخلص منها.
أكثر من 160 هجوماً ما تزال بانتظار التحقيق
رغم التقدم المحقق في بعض الملفات، فإن جزءاً كبيراً من ملف الهجمات الكيميائية في سوريا ما يزال مفتوحاً.
ويقول شيخاني إن هناك أكثر من 160 حادثة يشتبه باستخدام أسلحة كيميائية فيها لم تستكمل التحقيقات الخاصة بها، بسبب العوائق التي واجهت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها عدم السماح للفرق الدولية بالوصول إلى المواقع المستهدفة.
وبحسب تقديره، فإن الانفتاح الحالي وإمكانية الوصول إلى المواقع المختلفة داخل سوريا سيمنحان المنظمة فرصة لإعادة فتح العديد من هذه الملفات، إلا أن العملية لن تكون سريعة، بل قد تستمر لسنوات طويلة نظراً لحجم الوقائع المطلوب التحقيق فيها وتعقيداتها الفنية والقانونية.
اقرأ أيضاً
باراك: إنهاء الإرث الوحشي للأسلحة الكيميائية محطة مهمة في بناء سوريا
من كشف الذخائر إلى ملاحقة المسؤولين
لا ينظر العاملون في ملف الأسلحة الكيميائية إلى هذه التطورات بوصفها خطوة تقنية مرتبطة فقط بالكشف عن المخزون، بل باعتبارها مدخلاً لتوسيع مسار المساءلة القانونية.
ويؤكد شيخاني أن العثور على الأدلة الفيزيائية يساعد في تتبع سلسلة الأوامر التي قادت إلى تنفيذ الهجمات، بدءاً من الأشخاص الذين تولوا تصنيع المواد ونقلها وتخزينها، وصولاً إلى المسؤولين الذين أصدروا أوامر استخدامها.
وفي هذا الإطار أشار إلى أن السلطات السورية أوقفت نحو 18 شخصاً على ذمة التحقيق، بينهم ضباط ومسؤولون وخبراء سابقون مرتبطون بالبرنامج الكيميائي للنظام المخلوع.
كما كشف شيخاني أن المركز سلّم وزارة العدل قائمة تضم نحو 200 اسم لأشخاص يشتبه بتورطهم في تصنيع المواد الكيميائية أو تخزينها أو استيرادها أو تطوير وسائل استخدامها، مؤكداً أن القائمة لا تزال مفتوحة وأن تحديد جميع المسؤوليات قد يستغرق سنوات.
ويؤكد شيخاني أن ملاحقة المطلوبين الموجودين خارج سوريا تحتاج إلى تفعيل التعاون القضائي الدولي وتوسيع الاتفاقيات المرتبطة بالإنتربول، إضافة إلى دراسة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية بما يسمح بملاحقة المشتبه بهم أينما وجدوا.
كما يشير إلى أن جزءاً من الأدلة المرتبطة بالبرنامج الكيميائي تعرض للتدمير أو الإخفاء قبل سقوط النظام، ما يزيد من صعوبة مهمة المحققين ويجعل كل دليل جديد يتم العثور عليه ذا أهمية استثنائية.
الضحايا.. البعد الغائب في الملف
ورغم التركيز على التحقيقات والمساءلة، يلفت شيخاني إلى أن ملف الضحايا لا يحظى بالاهتمام الكافي.
ويؤكد أن آلاف السوريين ما يزالون يعانون آثاراً صحية ونفسية ناجمة عن التعرض للمواد السامة، داعياً إلى إنشاء برامج ومراكز متخصصة لمتابعة الحالات المتضررة وتقديم الدعم الطبي والنفسي اللازم لها.
ويعتبر أن العدالة الحقيقية لا تقتصر على ملاحقة المسؤولين وتدمير المخزون الكيميائي، بل تشمل أيضاً جبر الضرر الواقع على الضحايا وضمان حصولهم على الرعاية اللازمة بعد سنوات من المعاناة.
يمثل العثور على ذخائر ومواد مرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام المخلوع تطوراً مهماً في مسار كشف الحقيقة بشأن استخدام الأسلحة المحظورة في سوريا. وبينما تمنح الأدلة الجديدة دفعة قوية للتحقيقات الدولية، فإن الطريق ما يزال طويلاً أمام استكمال الكشف عن المواقع والمخزونات المتبقية، وتحديد المسؤوليات، وملاحقة المتورطين، وتحقيق العدالة للضحايا الذين ما تزال آثار هذه الهجمات تلاحقهم حتى اليوم.
المصدر