
تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 11 صباحاً
لكأني أنظر إليها تخرج من بين أعواد الزلّ الممتد على ضفتي الفرات وتهجم على الأطفال بشعرها لتخطفهم بيدين مشعرتين وأظافر نحاسية حادة، ثم تمضي بهم إلى بيتها القابع في المجهول، كنا نرى وهمها بعين الخيال عجوزا شمطاء ذات عيون مقلوبة وجسد نحيل، إنها "السعلوّة" أو "السعلويّة" وما قيل عنها وأبدعت في وصفها الأمهات اللواتي يخفن أطفالهن، حتى سبقن كتاب قصص هوليود عن الزومبي والأموات الأحياء.
لماذا لم تعد تخيفنا السعلوة؟ وكيف فقد سحره ذلك السلاح الخيالي المتمثل بالأسطورة الشعبية والذي كانت تستخدمه الأمهات لتحذير أبنائهن من الخروج من المنزل ليلا؟
الأسطورة في الرواية الشعبية
من منا لا يذكر مسلسل "كان يا ما كان" ولم تنتبهُ قشعريرة خوف ولهفة للغوص في بحار الخيال عندما يسمع شارة المسلسل، وخصوصا:
هل حدثت هذي الأحدوثة حقـــاً فـــي تــلك الأيـــامْ
والشخصيات المكتوبة هل عاشت أم كانت أوهامْ
كان ذاك المسلسل هو المركبة التي تأخذنا إلى عوالم خفية مثله مثل بساط الريح الذي يطير به أبطال الحكاية ليقدحوا في ذواتنا الخوف مع المتعة والرغبة مع الرهبة، لنشتاق كل لحظة إلى أوان الحكاية التي تجسد الأسطورة الشعبية عن أحداث خارقة للعادة وقعت في زمن متخيل، وارتبطت بالذاكرة الجماعية التي تعيد صياغتها من جديد بما يتناسب مع البيئة وتفسيرها للظواهر غير المرئية.
جميع الحضارات أفرزت الأساطير وتفننت في التعبير عنها، وغالبا ما تدور حول محورين؛ محور الشر وتمثله الشخصيات الشيطانية ومحور الخير وتمثله شخصيات ملائكية أو بشرية لها صفات تتعدى حدود الأنسنة، ولعل منطقة الهلال الخصيب كانت السابقة في هذا المجال، حتى إنها تغلبت في قوة التصوير وبراعة التعبير على الأدب اليوناني، فلا تزال ملحمة جلجامش القصة الأشهر التي نهلت منها جميع الأساطير، وكذلك أسطورة بداية الخليقة "إينوما إيليش" (عندما في العلى) السومرية، وملحمة الصراع بين بعل المسؤول عن الأمطار ويَم المسؤول عن المياه المتمردة، ومثلهم عشتار وخديعتها لتموز، وغيرها من الأساطير التي ظل الشغف الشعبي بإعمال الخيال يعيد صياغتها عبر آلاف السنين.
الشخصيات الأسطورية في الأدب الشعبي
تختلف الشعوب في أسماء الشخصيات الأسطورية لكنها تتفق في تصويرها، فالشريرة توصف بأبشع منظر والخيرة بأبهى صورة، وكل من هذين الضدين يعمل في الساحة البشرية إما لمساعدة الإنسان أو لإغوائه والمكر به.
ومن أشهر الشخصيات الأسطورية المرعبة في جزيرتنا الفراتية:
السعلوّة: وهي كائن أنثويّ شيطاني يختلف شكله من منطقة لأخرى، لكن بالمجمل هي عجوز شمطاء كثيفة شعر الجسم لها أظافر حادة وعيون مقلوبة، تعيش عند ضفاف الفرات وتختبئ بين أعواد الزل أو تتنقل بين البيوت المهجورة وفي الهضاب، ووظيفتها خطف الأطفال وطبخهم في قدر كبير.
قد يجد بعض القراء ممن هم تحت سن العشرين هذه الحكايات ليست جزءا لصيقا وعاملا مؤثرا في تكوين وعيهم الطفولي، وإن سمعوا بها لِماماً فهي لا تؤثر بهم، إذ إنهم ولدوا في زمان حولت هوليود فيه الأسطورة إلى مشاهد تلفزيونية
الهرط: كائن شيطاني ذكري يتميز بنحولة جسمه الشديدة وطوله الذي يصل إلى السماء، ويظهر ليلا وهو متكفل بالظهور للمرأة أثناء ولادتها وقد يمسها بأذى لها ولمولودها.
جنيّة الزوبعة: وهي كائن أنثويّ شيطاني مؤذٍ يختبئ داخل الزوبعة الغبارية ويهاجم البيوت القروية أو أكوام القش لتخريبها ولا يمكن التخلص من شره ومشاهدة صورته داخل الزوبعة إلا بإلقاء حفنة من الملح عليه.
أبو لبّاد: ويسمى الجاثوم أيضا وهو نوع من الجن يأتي ليلا إلى النائم ويجلس على صدره فيقوم بسحب لسانه ومحاولة خنقه وما إن يستيقظ النائم حتى يهرب، وهو التفسير العلمي لحالة الاختناق الليلي.
وكما أن هناك شخصيات شريرة فلا بد من إيجاد شخصيات خيرة وهي نوع من الجن مكفل بمساعدة الناس وطرح البركة في أرزاقهم وما أكثر الروايات التي انتشرت عنهم، فهذا شاهد جنية تملأ الوعاء في المنزل سمنا وذلك شاهد جنيّا أرشد تائها إلى قريته، وعلى ذلك قس الكثير من الروايات التي لا ترويها الجدات بطريقة إبداعية في التصوير والإثارة ضمن طقوس تحفز الخيال على رسم مشهد القصة.
طقوس الشخصيات الأسطورية وعاداتها
في ليالي الشتاء الثقيلة المعتمة وحول المدفأة تجلس الأم أو الجدة ومعها الأولاد والأحفاد، وما إن تنقطع الكهرباء وتشعل مصباح الكاز أو السراج حتى تسيل قريحة القصّ ويتهيأ المخيال لاستيعاب قصة عن الجن، إذ إن حركة النار في السراج وانعكاس ظلال الجالسين حول المدفأة يهيئ المسرح تماما لسرد الحكاية، فتبدأ القاصة بالكلام عن الجن وعاداتهم ومغامراتهم البطولية، والتي من أشهرها إقامة الأعراس مع الطبل والزمر، والذهاب إلى المقابر لأكل العظام واقتحام البيوت ذات الأبواب والنوافذ الخشبية، فالجن بحسب الأساطير يخاف من الحديد، ويكره اللون الأزرق، لذلك من أراد الحماية من خطر الجن عليه دهن النوافذ والأبواب باللون الأزرق.
من عادات الجن كذلك أنه يتربص بالمواليد الجدد فإذا غفل عنهم أهلهم يقومون بتبديلهم بكائن من الجن على شكل مولود بشري، لذلك كانوا يفسرون المواليد المشوهين خلقيا على أنهم مبدلون من الجن.
وكما أن هناك جنّ أشرار كذلك هناك جن خيرون، يطوفون حول البيوت ويحمونها من الأرواح الشريرة ويملؤون أوعية المطابخ بالسمن والزيت والسكر وغيرها من المواد الغذائية، ويعمدون كذلك إلى المواليد من أجل حمايتهم من الجن الشريرين، وهؤلاء الخيرون لا يظهرون لكل إنسان وإنما متخصصون بالظهور للصالحين من البشر، ويعيشون في بيوتهم ولا يؤذونهم وقد يتجسدون بقطة بيضاء أو أي حيوان أليف وخاصة الأغنام، على عكس الشريرين الذي يتجسدون بالأفعى والقط والكلب الأسودين.
تلاشي الحكاية الأسطورية وفقدان رونقها
قد يجد بعض القراء ممن هم تحت سن العشرين هذه الحكايات ليست جزءا لصيقا وعاملا مؤثرا في تكوين وعيهم الطفولي، وإن سمعوا بها لِماماً فهي لا تؤثر بهم، إذ إنهم ولدوا في زمان حولت هوليود فيه الأسطورة إلى مشاهد تلفزيونية فقتل عنصر المفاجأة لديهم وأصيب المخيال بالمرض والتصوير بالبلادة والكسل، حيث هم يشاهدون بأعينهم الشخصيات الأسطورية على الشاشة فلا داعي للغوص في عالم الخيال والإسهاب في التصوير والإبداع في القص، وكذلك لم تعد البيئة القروية كما كانت أسيرة الظلمة وتعاني قلة السكان، ولا الطبيعة بأشجارها وأنهارها وتلالها كما كانت سابقا.
وكذلك، لم تعد القصائد الحديثة توظف الأسطورة بالتعبير عن الغرض الشعري، كما كان يفعل بدر شاكر السياب مثلا في قصيدته "حفار القبور" أو قصيدة "المومس العمياء" عندما تفنن في التعبير عن ميدوزا وهي تحول كل شخص ينظر إليها إلى حجر.
كل هذه العوامل أصابت ذائقة الحكايات الأسطورية بالخمول وأفقدت الشخصية الطفولية شغفها وولعها باقتحام العوالم الخفية وتعلم التجارب من شخصيات أبطالها الرمزية.
المصدر