كلّنا بعثيون.. فلنتنحَّ جانباً



تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً

ما نراه اليومَ من استقطاباتٍ شعبيةٍ وتجاذباتٍ سواءَ على الأرض أو على مواقع التواصل الاجتماعي وصل إلى حالةٍ خطيرةٍ. وعلى الرغم من وجود العديد من الأصوات المعتدلة التي تحاول دائماً طرح أفكارها وفق أسس الحوار والنقاش الحضاري وقبول الرأي الآخر، إلا أن أغلبية الأصوات تسير عكس هذا الاتجاه، وتلجأ لتخوين الآخر وشتمه والتحريض ضده. وهذا الأمر بالمناسبة ينطبق على جميع الأطراف الموجودة حالياً في المشهد الاجتماعي السوري. وبغض النظر عن الآراء المتداولة والتي قد يكون كثير منها في مكانه، إلا أن القالب الذي تخرج منه هذه الأفكار غالباً ما يأخذها إلى مكانٍ آخرٍ. وفي مثل هذه الحالات لا يعود لصوابية الرأي من عدمه أيُّ فائدةٍ، كون طريقة النقاش تقوم على مبدأ الإقصاء وعدم قبول الرأي الآخر. لقد وصلنا إلى مستوىً خطرٍ من التجاذب المؤذي والمدمر لقيم التعايش والتآخي. ليس بالضرورة أن تكون في الماضي قد انتسبت إلى حزب البعث العربي الإشتراكي (السوري) حتى تحسب على البعثيين وتعد واحداً منهم. كثيرون هم الذين لم ينخرطوا في صفوف هذا الحزب، ولم يدخلوا تنظيمياً فيه، وكثيرون هم الذين انضموا لصفوفه وباتوا على قوائمه ومع ذلك لم يعرفوا عنه شيئاً إلا تسديد الرسوم. كل هذه مجرد شكليات، الحقيقة تقول وببساطةٍ تامةٍ أننا جميعاً ومن دون استثناء بعثيون. الكلُّ منكم بالتأكيد يذكر عريف الصف، حيث يلجأ المعلم أو المعلمة لاختيار أحد الطلاب والذي يجب أن يتمتع بصفاتٍ عدة، كالحضور القوي والانضباط والولاء لإدارة المدرسة وأساتذتها، كذلك يجب أن يكون مهاباً من قبل زملائه. وتصرفاته لا تخلو من الوقاحة في بعض الأحيان. في المرحلة الابتدائية وعلى مدار 6 سنوات تم تدجيننا في مدارس طلائع البعث، تم حشو عقولنا بأفكارٍ عقائديةٍ حولت كثير من مفاهيمنا باتجاه خاطئ، وأعادت إنتاجنا في قالبٍ مشوهٍ أطلق عليه مسمى "الرفيق الطليعي". وللقارئ أن يتخيل أننا يومياً وفي عزِّ طفولتنا، وأعمار معظمنا لم تتعد العشر سنوات، كنّا نرفع يدنا اليمنى عالياً ونقسم بأننا سنتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية ... وكان لزاماً علينا أن نردد صباح كل يوم وتحت الأمطار وفي عزِّ الصقيع عبارة ( قائدنا إلى الأبد ... الأمين حافظ الأسد ). ستةُ أعوامٍ أمضيناها في حظيرة طلائع البعث، تم تغذيتنا وتعبئتنا فكرياً بكثيرٍ من المبادئ العقائدية والتي لا تمت لروح الطفولة بأي صلة. لا بل على العكس كانت بعض هذه الأفكار أسباباً لكثير من التشوهات التي بدت على المجتمع السوري فيما بعد. الكلُّ منكم بالتأكيد يذكر عريف الصف، حيث يلجأ المعلم أو المعلمة لاختيار أحد الطلاب والذي يجب أن يتمتع بصفاتٍ عدة، كالحضور القوي والانضباط والولاء لإدارة المدرسة وأساتذتها، كذلك يجب أن يكون مهاباً من قبل زملائه. وتصرفاته لا تخلو من الوقاحة في بعض الأحيان. هنا تصنع اللبنة الأولى للفكر الأمني القائم على المراقبة والوصاية. ومع انتصاف الفصل الدراسي يكون الطلاب لا شعورياً قد انقسموا إلى قسمين، الأول لديه مهارات المتابعة ومراقبة تصرفات زملائه ونقلها إلى الأستاذ، فمنهم من مارس هذه المهام وعين بالفعل عريفاً في فترةٍ من الفترات، ومنهم من ينتظر لعب ذلك الدور في قادمات الأيام. وهؤلاء بالتحديد يحاولون المغالاة في إبراز مواهبهم وأحياناً يتصيدون أخطاء العريف الحالي كي يضعفوا من رصيده عند الإدارة، وبالتالي أخذ مكانه مع أول تغيير. أما القسم الآخر فهو القسم الذي يعرف أنه لا يملك إمكانات لعب هذا الدور لسبب ما، وهؤلاء يلجأون إلى التفرق والانعزال، وتجنب المشكلات بغية تفادي أي عقوبة. وهنا يبدأ الشرخ الاجتماعي بالتشكل في عقول صغيرة كان الأولى تغذيتها بعناصر الإبداع والتميز والقيم الإنسانية النبيلة. ومن منظمة طلائع البعث إلى اتحاد شبيبة الثورة، وعمليات تصنيع العقلية البعثية مستمرةً وبتفاصيل أكثر قسوة. فالأجساد نضجت وأضحت أكثر خشونة، وباتت قادرةً على تلقي درجاتٍ أعلى من العقوبات التي تتخذ هيكلية أقرب إلى العقوبات العسكرية، مع دخول عنصر هامٍ إليها وهو عنصر الإذلال. فمن منكم لا يتذكر معاقبة المتأخرين عن حضور تحية العلم بإجبارهم على البقاء جاثين على ركبهم لعشر دقائق أو ربما الحصة الأولى بالكامل، يتركون في باحة المدرسة لوحدهم وبقية التلاميذ ينظرون إليهم من نوافذ صفوفهم. وأحياناً يجبرون على العودة إلى صفوفهم زحفاً. وهنا تبدأ النفسيات بالانكسار، وتبدأ بلورة شخصياتنا لتخرج في نهايتها مثقلة بالتناقضات والإضطرابات النفسية والمشاعر المتضاربة التي تسهم في تعزيز ثقافة الصمت وعدم الاعتراض على القرارات الناظمة لحياتننا اليومية وسلوكياتنا. هذه الدورة الحياتية التي مرَّ بها السوريون على مدار عقودٍ مضت، جعلت نشأتهم مقولبةً وموضوعةً ضمن سياقٍ يخدم فكرة إنتاج مجتمع يحاول تجنَّب المشاكل وفق مفهوم الابتعاد عنها، لا مواجهتها والخوض في أسبابها. والاستعداد التام للقبول فكرياً بالمبررات التي تقدمها لك السلطة، ولا يقتصر الأمر على القبول، بل يذهب لأبعد من ذلك، إلى الدفاع عن هذه المبررات والتعصُّب التام لوجهة نظر مايسمى بالقيادة من حيث صوابية خياراتها. قد يكون نهج المصالحات المجتمعيّة ومؤتمرات الحوار الوطني والحلقات النقاشية سبيلاً للمضيّ نحو حلولٍ مقبولةٍ تقوم على مبدأ تقليل الخسائر قدر الإمكان، والحد من الاستقطابات الفكرية التي توغلت فينا. كثيرةٌ هي المعطيات تغيّرت مع دخولنا في الألفية الجديدة، وعلى رأسها تغيير اللباس المدرسي في المرحلة الابتدائية، واختفاء اللباس العسكري الذي كان معتمداً في المرحلتين الإعدادية والثانوية. كذلك تم تغيير كثير من الأفكار السائدة في محاولةٍ ذكيةٍ لتحديثها وظهورها بشكلٍ لا يتعارض مع حداثة المجتمع وانفتاحه على فضاءات أحرى لم تكن موجودةً في السابق. فأصبحت منظمة طلائع البعث تعرف باسم المنظمة الوطنية للطفولة السورية. ونوقشت بعد ذلك مسودة قرارٍ يقضي بإلغاء اتحاد شبيبة الثورة. لتظهر القيادة بثوب حضاري يواكب التطورات. لكنَّ الحقيقة أن التغيير طال القشور فقط، في حين بقي الجوهر واحداً وهو غرس المبادئ السياسية والوطنية الموالية للنظام. قد يكون نهج المصالحات المجتمعيّة ومؤتمرات الحوار الوطني والحلقات النقاشية سبيلاً للمضيّ نحو حلولٍ مقبولةٍ تقوم على مبدأ تقليل الخسائر قدر الإمكان، والحد من الاستقطابات الفكرية التي توغلت فينا. لكن الأهم من ذلك أن تدفن تلك الأفكار التي عايشناها على مدار خمسين عاماً تقريباً. تخيلوا أننا بعد عملية ردع العدوان مباشرة ومع عودة الأطفال إلى مدارسهم في اليوم الأول بعد التحرير تابعنا كثير من الفيديوهات لمعلمين ومعلمات يقومون برسم العلم الجديد على خدود الأطفال. رغم أنهم ذات المعلمين الذين كانوا قبل أيام يرفعون صورة الأسد. فكيف للعقول الصغيرة أن تقبل بهذا النفاق الفاجر. علينا أن نؤمن بأن الخروج من المستنقع الذي نعيش فيه يكمن في مؤسساتنا التعليمية وخاصة المراحل المبكرة منها. وعلينا أن نعي جيداً أن مستقبل سوريا الجديدة يصنع خلف جدران تلك المؤسسات. والأفكار التي تغرس هناك هي التي ستحدد هوية سوريا لعقود قادمة.          

المصدر