العلاقات الخليجية الإيرانية.. بين الإرث التاريخي وصراعات الحاضر



تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً

لم تكن العلاقات العربية وخاصة الخليجية منها مع إيران يومًا علاقة عابرة أو محكومة بظرف سياسي آني، بل هي نتاج تراكمي لتاريخ طويل من التفاعل المعقّد، الذي امتزجت فيه عناصر القوة، والهوية، والدين، والجغرافيا. وإذا كان من الصعب اختزال هذه العلاقة في ثنائية صراعٍ أو تعاونٍ، فإنّ التوتر ظلّ السمة الأبرز التي حكمت مسارها عبر القرون. في الحقبة السابقة للإسلام، كانت الإمبراطورية الفارسية تمثل إحدى القوى الكبرى في العالم القديم، وقد بسطت نفوذها على مناطق واسعة، من بينها أجزاء كبيرة من المشرق العربي، ولا سيما العراق. في المقابل، كان العرب يعيشون في إطار قبلي مشتت، يفتقر إلى مركزية سياسية موحّدة، ما جعلهم عرضة للتأثيرات الخارجية، ومنها النفوذ الفارسي. غير أنّ التحول الجذري جاء مع ظهور الإسلام، حيث انقلب ميزان القوة التاريخي. فقد انتقلت المبادرة من الفرس إلى العرب، وتمكّن المسلمون من إسقاط الإمبراطورية الساسانية، لتدخل بلاد فارس في إطار الدولة الإسلامية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل حمل في طياته تحوّلًا حضاريًا عميقًا، تمثل في سيادة الإسلام دينًا والعربية لغةً، وكلاهما هوية جامعة، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا وثقافيًا ممتدًا في الوعي الإيراني. كانت إيران الشاه تعتبر ذاتها شرطي المنطقة، وبعد وصول الخميني ونظام الحكم الثيوقراطي إلى السلطة، نهجت إيران الرسمية طريق تصدير الثورة لدول الجوار، واتبعت سياسة التخريب الداخلي لتفتيت بنية المجتمعات المحيطة من خلال التبعية المذهبية المطلقة للولي الفقيه باعتباره ممثل الإمام المنتظر.. هذا التحول التاريخي أسهم في نشوء ما يمكن تسميته بالذاكرة المتوترة، حيث لم تُمحَ الهويات السابقة بالكامل، بل أعادت إنتاج نفسها في أشكال جديدة. وهنا يمكن فهم التحول نحو التشيّع في العصر الصفوي ليس فقط باعتباره خيارًا دينيًا، بل أيضًا بوصفه أداةً لبناء هويةٍ متميزةٍ عن المجال السني عامّة العربي خاصّة. وقد شكّل هذا التمايز أحد أهم مرتكزات الصراع الرمزي بين الطرفين، حيث أصبح الانقسام المذهبي غطاءً لصراع أعمق ذي أبعاد قومية وثقافية. لا شكّ بأنّ الصراعات الاجتماعية والسياسية غالبًا ما تتخذ أشكالًا دينية أو مذهبية أو طائفية أو حتى ثقافية، بينما تخفي في جوهرها تنافسًا على السلطة والهوية والمصالح. لم يكن هذا التوتر مقتصرًا على البعد التاريخي أو الثقافي، بل استمر في التشكل ضمن بنية النظام الدولي الحديث. ففي القرن العشرين، ومع صعود الدولة الوطنية، أعيد إنتاج الصراع العربي الإيراني ضمن إطار جيوسياسي جديد، حيث باتت إيران تسعى للعب دور إقليمي مؤثر، مستندة إلى مزيج من القوة الصلبة عسكريًا والقوة الناعمة أيديولوجيًا. كانت إيران الشاه تعتبر ذاتها شرطي المنطقة، وبعد وصول الخميني ونظام الحكم الثيوقراطي إلى السلطة، نهجت إيران الرسمية طريق تصدير الثورة لدول الجوار، واتبعت سياسة التخريب الداخلي لتفتيت بنية المجتمعات المحيطة من خلال التبعية المذهبية المطلقة للولي الفقيه باعتباره ممثل الإمام المنتظر، الذي هو ممثل الإسلام الحقيقي استنادًا إلى فكرة أحقية آل بيت الرسول بالحكم دونًا عن غيرهم. استطاعت إيران السيطرة على العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 من خلال هذه الفكرة بالذات، فالموالون لها من الشيعة العراقيين قبلوا على أن أنفسهم أن يلعبوا دور حصان طروادة لتمكين نظام الملالي من حكم بلادهم، فكان أن تحوّل العراق القويّ الغني لبلد فقير ضعيف مفتت تحكمه الميليشيات وتقتله الطائفية البغيضة. في العقود الأخيرة، اتخذت العلاقة بين إيران ودول الخليج العربية طابعًا أكثر تعقيدًا. فمن جهة، نشهد تشابكًا اقتصاديًا واضحًا. فقد ظلت الإمارات العربية المتحدة حتى عام 2024 الشريك التجاري الأول لإيران في المنطقة، بحجم تبادل تجاري يتراوح بين 20 و25 مليار دولار سنويًا. كما أن التداخل السكاني يعكس مستوى من الاعتماد المتبادل، حيث يعيش مئات الآلاف من الإيرانيين في دول الخليج، ويشكلون قوة اقتصادية معتبرة، خاصة في قطاعي التجارة والعقارات. لكن في المقابل يشكل هذا الحضور السكاني خطرًا محتملًا على دول الخليج العربي إذا ما تأججت الصراعات القومية والمذهبية، وهذا ما يجب على دول المنطقة التنبّه له والبدء بمعالجته. باختصار، تتصاعد المخاوف الأمنية بشكل ملحوظ، فقد كشفت التطورات الأخيرة، ومنها إعلان الكويت وقطر والبحرين عن تفكيك خلايا إرهابية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله. ينمّ هذا عن استمرار البعد الأمني كعامل حاسم في تشكيل السياسات الخليجية تجاه إيران. هذه الحوادث لا تُقرأ بمعزل عن سياق أوسع من الصراع غير المباشر، الذي تخوضه إيران عبر شبكات نفوذ إقليمية، وهو ما يعزز مناخ عدم الثقة ويعمّق الانقسام. تبدو العلاقات العربية الإيرانية محكومة بثلاثة مستويات متداخلة: تاريخي يعيد إنتاج الذاكرة والصور النمطية، ومذهبي يوظف الدين كأداة تعبئة، وجيوسياسي تحكمه المصالح وتوازنات القوة. في هذا الإطار، لا يمكن فهم السلوك الإيراني دون التوقف عند طبيعة الحركات الأيديولوجية التي تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع وفق رؤية شمولية. فكما تعلّمنا دروس الحياة، فإنّ مثل هذه المشاريع غالبًا ما تستند إلى شعور تاريخيٍ دفينٍ بالغُبْنِ أو الرغبة في استعادة مجدٍ مفقود، وهو ما يدفع الإيرانيين إلى التوسع خارج حدود بلادهم الطبيعية. حاولت دول الخليج العربي على الدوام خلق توازنٍ مع الجار الإيراني، فطوّرت بداية علاقات مميزة مع بريطانيا العظمى، ثم تحوّلت لعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية. ورغم استمرار الأخيرة كحليف عسكري رئيسي لدول الخليج، إلا أن هذه الدول باتت تنتهج سياسة التحوّط الاستراتيجي، عبر تنويع شراكاتها الدولية. فقد عززت علاقاتها مع الصين، التي أصبحت المستورد الأول للنفط الخليجي، كما طورت تعاونها مع روسيا، خاصة ضمن إطار أوبك بلس. من جهة ثانية عقدت دول عديدة منها اتفاقيات دفاع مشترك مثل تلك التي وقعتها السعودية مع باكستان وقطر مع تركيا. في المحصلة، تبدو العلاقات العربية الإيرانية محكومة بثلاثة مستويات متداخلة: تاريخي يعيد إنتاج الذاكرة والصور النمطية، ومذهبي يوظف الدين كأداة تعبئة، وجيوسياسي تحكمه المصالح وتوازنات القوة. وهذا التداخل يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية مستقرة، إذ إنّ الصراع لا يدور فقط حول النفوذ، بل حول تعريف الهوية ودورها في المنطقة. ومع ذلك، فإنّ قراءة مستقبل هذه العلاقة لا ينبغي أن تكون حتمية أو تشاؤمية بالكامل. فالتجارب التاريخية تثبت أن الصراعات الطويلة يمكن أن تتحول إلى شراكات حين تتغير المصالح وتُعاد صياغة الأولويات. غير أنّ ذلك يتطلب تجاوز البنى الذهنية التقليدية، والانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق التوازن والتعايش، وهو تحدٍ ما يزال بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة. لكنّ هذا يفرض على دول الخليج النظر إلى العلاقة مع إيران بعيونٍ جديدة خاصّة مع ما أفرزته الحرب الأخيرة من عدوانٍ إيراني ظاهرٍ جليّ لا يمكن إخفاؤه بأي ستار. على دول الخليج العربي أن تبدأ بالنظر ليس فقط إلى ما يمكن أن تقوم به إيران، بل إلى ما عليها هي ذاتها القيام به لتحصين أمنها القومي. ما يجب أن تعتمد عليه دول الخليج العربي بعد الحرب الأخيرة ليس انتظار تغيّر سلوك إيران تجاهها، بل البدء ببناء منظومة خليجية مصغّرة وعربيّة موسّعة لضمان أمنها القومي على المدى البعيد.

المصدر