
تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً
انشغل قلة من رواد وسائل التواصل الاجتماعي، باعتصام نفذه بعض أبناء مدينة البوكمال، أطلقوا فيه ما يشبه نداء استغاثة إلى « المسؤولين » لإنقاذ المدينة من الواقع المزري الذي تعيشه، خدمياً و أمنياً، وعلى الرغم من اللهجة الغاضبة التي كان يتحدث بها أحد المتظاهرين، و العبارات القاسية التي تلفظ بها، إلا أن ذلك كله لم يحول ذلك الاعتصام إلى تريند يتبادله السوريون، و لا هاشتاغ يذيلون به منشوراتهم، تماماً كما حدث عندما ارتكبت قوات النظام البائد مجزرة في المدينة عام 2016 راح ضحيتها قرابة مئة شهيد، إلا أن المدينة، وقتها، لم تحتل العناوين الرئيسة في صفحات السوريين، و لم يعلنوا تضامنهم مع الضحايا، عكس ما كان يحدث مع مدن أخرى، و لعل هذا التجاهل يزيد غضب أهل المدينة الغاضبين أصلاً، من عقود الإهمال، و النسيان، لهذا فإن أهلها يحملون دير الزور، المركز، المسؤولية عما يعانونه من إهمال، و تهميش، و يطالبون بأن تصير البوكمال محافظة.
لا أجد من الضروري التذكير بأن المنطقة تمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً، و تمثل معبراً حدودياً، شكّل، قبل القطيعة البعثية بين النظامين السابقين في سوريا و العراق، شرياناً اقتصادياً مهماً، و قد أفقرت المدينة تباعاً، ثم انفرجت أسارير أبنائها حين أعلن عن اكتشاف حقول النفط قريباً منها..
وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، لو لم تكن دير الزور نفسها عانت و تعاني الإهمال ذاته. راجع/ي مقالة « دير الزور منكوبة! من قال ذلك؟ ».
تأسست البوكمال منذ قرابة مئة و ستين عاماً، حين اختار أهلها الأوائل أن يحطوا رحالهم على ضفة نهر الفرات، في منطقة تتشارك الصحراء و النهر مناخها، فلم تكن مدينة نهرية بما فيه الكفاية، و لا مدينة صحراوية، كما ينبغي. نمت المدينة بسرعة شديدة، وازداد عدد سكانها، فضمت، و هي المدينة الصغيرة النائية، تنوعاً دينياً و قومياً، و امتدت على قرابة سبعة آلاف كيلو متر مربع، و هي بذلك أكبر من حيث المساحة من محافظات « إدلب و درعا و السويداء و القنيطرة و اللاذقية » و كانت من أوائل المدن التي تمردت على الاحتلال الفرنسي، و طردته، و احتفلت باستقلالها، قبل الجلاء الفرنسي عن سوريا بسنة كاملة، و في العام 1991 إبان الحرب الأميركية على العراق، خرجت المدينة كلياً عن سلطة النظام، حين اندفع أهلها غضباً و أحرقوا مقر شعبة الحزب، و استولوا على مبنى البلدية، بعد أن شاهدوا بأم أعينهم الطائرات التي كانت تقصف العراق، و قد اعتقل العشرات من أبنائها، قرابة 150 شاباً و أمضوا أكثر من سنة موزعين على الفروع الأمنية، و سوف يحدث الأمر نفسه إبان الثورة السورية، إذ لم تتأخر المدينة عن إعلان تمردها و ثورتها، فطردت قوات النظام بشكل كامل أواخر العام 2012، و استولت على المطار العسكري، و شكلت مجلسها المحلي، و ربما كان بعدها عن المركز عاملاً إيجابياً، فالمدينة تبعد عن دير الزور قرابة 120 كم، لكن خاصرتها الرخوة كانت حدودها الشرقية مع العراق، فلم تتأخر الميليشيات أن اجتاحتها قبل أن تقع فريسة في يد تنظيم داعش، الذي تسبب بنزوح ما يقارب نصف سكان المدينة، و سوف ينزح ربع آخر حين استعادت قوات النظام البائد سيطرتها عليها، و قامت بتسليم إدارتها، كما ستروي شهادات من بقي من أبنائها، إلى عناصر الميليشيات الإيرانية، و ما تزال عالقة في الذاكرة صورة قائد فيلق القدس قاسم سليماني و هو يسجد شاكراً الله على أن البوكمال باتت في قبضتهم.
لا أجد من الضروري التذكير بأن المنطقة تمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً، و تمثل معبراً حدودياً، شكّل، قبل القطيعة البعثية بين النظامين السابقين في سوريا و العراق، شرياناً اقتصادياً مهماً، و قد أفقرت المدينة تباعاً، ثم انفرجت أسارير أبنائها حين أعلن عن اكتشاف حقول النفط قريباً منها، فبنى الناس بيوتاً من الرمل في خيالاتهم، و سافروا بعيداً و هم يعتقدون أن تلك الثروة ستكون خيراً عليهم، لكنهم لم يقبضوا منها سوى دخان يلوث سماء مدينتهم، و زيادة في معدلات أمراض السرطان، وأما النفط فاتجه غرباً، حيث يستطيع أي باحث في التنمية أن يؤكد أن معدلات التنمية في مدينة البوكمال، و طوال أربعة عقود، لم تتجاوز واحداً في المئة في أحسن حالاتها، حتى أن الطريق الواصل بين البوكمال و دير الزور لم يتم إصلاحه أبداً، رغم أنه الطريق الذي كان يتم عبره نقل الثروات النفطية و الزراعية، وقد سألت عن تحويلة مؤقتة أنشئت منتصف تسعينيات القرن الماضي قرب مدينة الميادين، فقيل لي إنها مازالت على حالها.
ربما يشبه حال البوكمال حال مدن كثيرة أخرى، و ليس مطلوباً من الحكومة أن يكون لديها عصا سحرية، لتحلّ تلك المشكلات كلها دفعة واحدة، لكن قد يكون مفيداً أن يحمل وزير ما ورقة و قلماً و يسافر ليدون تلك المطالب..
هذه أسباب تجعل المدينة غاضبة و مستاءة، و يخرج أبناؤها و يرفعون أصواتهم عالياً، مطالبين بإنصافهم، و قد توقعت، عن طيب نية، أن يبادر السيد محافظ دير الزور بالسفر إلى المدينة للاجتماع بالناس، و الاستماع إلى ما يريدونه، و لكنه، بدلاً عن ذلك، اكتفى بالجلوس في مكتبه منتظراً أن يأتي الناس إليه!
ربما يشبه حال البوكمال حال مدن كثيرة أخرى، و ليس مطلوباً من الحكومة أن يكون لديها عصا سحرية، لتحلّ تلك المشكلات كلها دفعة واحدة، لكن قد يكون مفيداً أن يحمل وزير ما ورقة و قلماً و يسافر ليدون تلك المطالب، لربما تجد لها مكاناً في أجندة الدولة المزدحمة، قبل أن تتفاقم و يصير من الصعب حلها.
أخيراً، منذ سنوات كتب ناقد بحثاً عن الحداثة في الأدب في محافظة دير الزور، لكنه، و للطرفة، قام بتصنيف الأدباء ما بين ريف و مدينة، فذكر أدباء مركز المحافظة أولاً، ثم انتقل ليذكر أبناء المناطق التابعة لها إدارياً، و هذه، لعمري، سابقة في النقد الأدبي
المصدر