"إسرائيل" واستراتيجية التمهيد النفسي.. قراءة في ما قبل الحرب



تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً

في تحليل سلوك الدول الحديثة، لم يعد من الممكن النظر إلى الحروب بوصفها أحداثاً عسكرية تبدأ فجأة، بل هي في جوهرها عمليات مركّبة تُبنى تدريجياً، ويشكّل البعد النفسي والإعلامي فيها مرحلة تأسيسية لا تقل أهمية عن التحضير العسكري نفسه. من هنا يمكن صياغة ما أسميه “نظرية التهيئة النفسية للصراع”، وهي تقوم على فكرة واضحة: قبل أن تبدأ أي حرب على الأرض، تبدأ أولاً في العقول والشارع عبر صناعة وعي جمعي يتقبلها ويبررها ويستوعبها. هذه النظرية لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى مبدأ راسخ في علم النفس السياسي، وهو أن تكرار الفكرة يحولها من احتمال إلى قناعة. حين يتم ضخ خطاب إعلامي وسياسي متواصل حول تهديد قادم، يبدأ هذا التهديد بالترسخ في الوعي الجمعي، ويُعاد تشكيل إدراك الجمهور بحيث يصبح الصراع المتوقع أمراً طبيعياً بل وضرورياً. ومع مرور الوقت، لا تعود الحرب حدث صادم ، بل نتيجة منطقية لمسار تم التمهيد له بدقة. تجارب من التاريخ السياسي التاريخ الحديث يقدم أمثلة صريحة تؤكد هذه النظرية. قبل غزو العراق عام 2003، لم يكن القرار العسكري منفصلاً عن حملة نفسية وإعلامية ضخمة ركزت على خطر “أسلحة الدمار الشامل”. تم تكرار هذا الخطاب على أعلى المستويات السياسية والإعلامية، حتى أصبح جزءاً من قناعة عامة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي. وعندما وقعت الحرب، لم تُستقبل كحدث مفاجئ، بل كخطوة متوقعة تم إعداد العقول لها مسبقاً. لاحقاً، ومع انكشاف ضعف الأدلة، تبيّن بوضوح أن التهيئة النفسية كانت عنصراً حاسماً في تمرير القرار وتقبله على الصعيد الشعبي. إذا انتقلنا إلى السياق الإسرائيلي، نجد أن هذا النمط يتكرر بشكل أوضح وأكثر استمرارية. في الصراع مع لبنان، وتحديداً مع حزب الله، سبقت المواجهات فترات طويلة من التصعيد الإعلامي والتأكيد على وجود تهديد متزايد. الخطاب لم يكن عفوياً، بل منظماً ومستمراً، يركز على خطر الصواريخ، وعلى ضرورة “الضربة الاستباقية”. وعندما وقعت المواجهة، كانت البيئة النفسية قد تم إعدادها، ليس فقط داخل المجتمع الإسرائيلي، بل أيضاً على مستوى التبرير الدولي. الأمر ذاته ينطبق على العلاقة مع إيران، ولكن بصورة أوسع وأطول زمناً. لسنوات، تكرر الحديث عن “الخطر الإيراني” و”التهديد الوجودي” و”البرنامج النووي”. لم يكن هذا الخطاب مجرد توصيف سياسي، بل عملية تهيئة مستمرة، تهدف إلى ترسيخ فكرة أن المواجهة مع إيران ليست خياراً، بل حتمية. اليوم، ومع تصاعد أشكال المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو واضحاً أن ما يحدث لم ينشأ فجأة، بل هو نتيجة لمسار طويل من التمهيد النفسي والإعلامي. الصراع الذي نراه الآن هو تجسيد عملي لسنوات من بناء السردية. يلعب الإعلام دوراً محورياً لا يمكن تجاهله، ليس فقط كأداة لنقل الخبر، بل كفاعل أساسي في تشكيل الوعي. نماذج جديدة ودروس مستخلصة وفي المرحلة الحالية، يمكن ملاحظة أن النمط نفسه يُعاد إنتاجه في الخطاب المتعلق بتركيا. التصريحات التي تتحدث عن “صراع محتمل” أو “توتر متصاعد” ليست مجرد تحليلات عابرة، بل تدخل ضمن عملية أوسع تهدف إلى إدخال فكرة المواجهة إلى المجال الذهني العام. تكرار هذه الفكرة، حتى في غياب حرب فعلية، هو بحد ذاته مرحلة من مراحل التهيئة. وهذا يعني أن السيناريو لا يبدأ عند المواجهة، بل قبلها بكثير، في الإعلام والتصريحات والتسريبات. كما يظهر هذا النمط أيضاً في الخطاب المرتبط بسوريا، حيث دأبت إسرائيل خلال السنوات الماضية على تكرار تصريحات تؤكد أنها مستعدة للتحرك عسكرياً في أي وقت، هذه التصريحات، التي صدرت عن مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين في مناسبات متعددة، لم تكن مجرد مواقف آنية، بل شكلت خطاباً متراكماً يهدف إلى تثبيت فكرة أن الساحة السورية هي جزء من معادلة الصراع المفتوح. ومع تكرار هذا الطرح، أصبح الحديث عن الضربات داخل سوريا أو عن احتمال توسع المواجهة أمراً متوقعاً، وليس استثنائياً، وهو ما يعكس بوضوح دور التهيئة النفسية في هذا السياق. دور الإعلام في المعادلة وفي قلب هذه العملية، يلعب الإعلام دوراً محورياً لا يمكن تجاهله، ليس فقط كأداة لنقل الخبر، بل كفاعل أساسي في تشكيل الوعي. فالإعلام، حين يكتفي بعرض التصريحات من دون تمحيص، أو يعيد إنتاج خطاب التهديد بشكل مكثف، قد يتحول من وسيلة توعية إلى أداة تضخيم. في المقابل، يمكن للإعلام المهني أن يؤدي دوراً معاكساً، من خلال تقديم سياق أعمق، وتحليل نقدي، وتفكيك الخطاب بدلاً من إعادة نشره. هنا يصبح الإعلام ساحة صراع بحد ذاته: إما أن يسهم في التهيئة النفسية من دون قصد، أو أن يرفع مستوى الوعي ويمنح الجمهور أدوات لفهم ما وراء الخطاب. بناءً على هذه الأمثلة، يمكن القول بوضوح إن إسرائيل تعتمد بشكل منهجي على استراتيجية التهيئة النفسية قبل أي تصعيد عسكري. هذه ليست مجرد ملاحظة ظرفية، بل نمط متكرر يمكن تتبعه عبر الزمن. الترويج للتهديد، تضخيم المخاطر، خلق حالة من الترقب، ثم الانتقال إلى الفعل كلها خطوات تشكل تسلسلاً منطقياً ضمن هذه الاستراتيجية. التهيئة هنا تؤدي ثلاث وظائف أساسية: إعداد الداخل نفسياً لتقبّل كلفة الحرب، تهيئة البيئة الدولية لتفهّم أو تبرير الفعل، والضغط على الخصم عبر إدخاله في حالة استنزاف ذهني مستمر. في هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة من زاوية فلسفية أعمق: فإسرائيل لا تدير فقط حدودها وجيشها، بل تدير أيضاً إدراك مواطنيها والنظام الدولي ، فالقوة لم تعد تقاس فقط بما تملكه الدولة من سلاح، بل بقدرتها على تشكيل الحجة وتهيئة الظروف، بطبيعة الحال عندما تنجح الدولة في تعريف الخطر، فهي تقترب كثيراً من التحكم في رد الفعل من الطرف الآخر وحتى من الأطراف الأخرى وهنا تتحول سياسة ماقبل الحرب إلى إدارة للوعي، وليس مجرد تحضير عسكري للحرب ، ويصبح السؤال الحقيقي من الدولة " ليس ماذا يحدث؟ بل كيف يُقدَّم ما يحدث؟" ومن الشارع " كيف يمكننا أن ننتصر لسردية الدولة في ظل مايحدث ؟! تثبت “نظرية التهيئة النفسية للصراع” نفسها من خلال التكرار التاريخي. من العراق إلى لبنان، ومن إيران إلى سوريا ، وصولاً إلى الخطاب الحالي حول تركيا، نرى النمط ذاته يتكرر: حرب تبدأ في الإعلام، تصبح مقبولة في العقول وعلى مستوى التبريرات ثم تظهر على الأرض. التعامل مع هذه الظاهرة أما على مستوى الفرد، وخصوصاً في الشارع العربي، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب وعياً نقدياً وسياسياً عالياً. فليس كل ما يُقال يُفهم كما هو، وليس كل ما يُنقل يُقصد به الإخبار فقط. القراءة الواعية تقتضي التمييز بين الخبر والتوجيه، بين التحليل والتعبئة، وبين نقل الواقع وصياغته لخدمة سردية معينة. فالمتلقي الذي يدرك آليات التهيئة النفسية يصبح أقل عرضة للانجرار خلفها، وأكثر قدرة على فهم ما يجري من دون أن يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من إعادة إنتاج خطاب يخدم خصمه. وفي هذا السياق، تظهر أهمية الانتباه إلى طبيعة الخطاب المستخدم، لا سيما في لحظات التوتر. فرفع شعارات دينية أو استخدام لغة حادة تستهدف بيئة أكبر من تلك التي ينتمي إليها العدو قد يبدو تعبيراً عفوياً عن الغضب أو التضامن، لكنه يمنح الطرف الآخر مادة جاهزة لتعزيز روايته أمام العالم، كتصوير الصراع على أنه مواجهة بين “خير” و”شر”، أو بين “حضارة” و”تطرف”. وهنا تتحول بعض ردود الفعل غير المحسوبة إلى أدوات تخدم السردية المقابلة، بدل أن تواجهها. لذلك، فإن الوعي لا يقتصر على فهم ما يقال، بل يمتد إلى كيفية التعبير، لأن الكلمة في زمن الصراع قد تكون جزءاً من المعركة بقدر ما هي تعبير عنها. في النهاية، تثبت “نظرية التهيئة النفسية للصراع” نفسها من خلال التكرار التاريخي. من العراق إلى لبنان، ومن إيران إلى سوريا ، وصولاً إلى الخطاب الحالي حول تركيا، نرى النمط ذاته يتكرر: حرب تبدأ في الإعلام، تصبح مقبولة في العقول وعلى مستوى التبريرات ثم تظهر على الأرض. وهذا ما يجعل فهم هذه النظرية ليس مجرد تأمل فكري، بل ضرورة لفهم كيف تُصنع الحروب قبل أن تُخاض، وكيف يمكن للعقل أن يكون أول ساحة صراع قبل أي جبهة أخرى.

المصدر