
تلفزيون سوريا: الجمعة, 17 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً
أثار منشور للخبير الاقتصادي السوري جورج خزام جدلاً واسعاً بعد حديثه عن "إغلاق جماعي" لمعامل زنوبيا وإشبيليا وبلقيس، معتبراً أن ما يجري يأتي "من أجل إحلال المستوردات البديلة"، حيث ربط ذلك بارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات والضرائب، مقابل دخول بضائع مستوردة بجمارك منخفضة.
وفي منشور آخر، قال عضو مجلس الشعب عن دائرة حلب عقيل حسين إن هناك "حديثاً قوياً" عن توجه لإغلاق معامل السيراميك، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يملك معلومة مؤكدة بهذا الخصوص، مضيفاً أن غياب المعلومة الرسمية والشفافية يفتح الباب أمام الشائعات والتفسيرات المتضاربة.
وسط هذا الجدل، تكشف الإفادات التي جُمعت من داخل القطاع أن صناعة السيراميك تواجه بالفعل ضغوطاً ثقيلة، تتصل بكلفة الطاقة، وآلية الرسوم الجمركية، واتساع حضور المستورد في السوق المحلية.
قطاع واسع يعمل بجزء محدود من طاقته
قال المدير العام لشركة بلقيس ونائب رئيس لجنة السيراميك والأدوات الصحية عبد الرحمن أورفه لي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن صناعة السيراميك في سوريا لا تزال تستند إلى قاعدة إنتاجية كبيرة، رغم التراجع الحالي.
وأوضح إن سوريا تمتلك "معامل سيراميك كبيرة برؤوس أموال ضخمة وأحدث أنواع التكنولوجيا وتعد من أكبر المعامل على مستوى الشرق الأوسط"، مضيفاً أن الطاقة الإنتاجية المتاحة للقطاع تبلغ "52,873 مليون متر مربع بالسنة"، في حين أن "الطاقة الحالية المنتجة فقط 7,426 مليون متر مربع بالسنة".
اقرأ أيضاً
بعد الحرب والحصار.. زجاج أرمناز يشق طريقه مجدداً إلى التصدير
الاستيراد في قلب الشكاوى
في أكثر من شهادة، ظهر ملف الاستيراد كعامل رئيسي في تفسير تراجع المعامل. أورفه لي قال إن توقف عدد من المعامل وخطوط الإنتاج جاء "بعد صدور قرار السماح باستيراد السيراميك بجمارك منخفضة"، محذراً من "احتمالية توقف كافة معامل صناعة السيراميك في سوريا في ظل إغراق الأسواق المحلية بالمنتج المستورد".
كما قال العبد لله إن التحول وقع عندما "سُمح باستيراد السيراميك" في عهد النظام المخلوع، مضيفاً أن ذلك "شكّل صدمة كبيرة للصناعة المحلية.. ونتيجة لذلك، اضطررنا إلى التوقف، رغم أن كلف التأهيل والتطوير كانت كبيرة جداً وبلغت ملايين الدولارات".
وتظهر البيانات التجارية التركية ارتفاعاً في الصادرات إلى سوريا بالتوازي مع هذه الشكاوى. فبحسب مذكرة صادرة عن مجلس المصدرين الأتراك "TİM"، ارتفعت صادرات تركيا إلى سوريا من 2.182 مليار دولار في عام 2024 إلى 3.493 مليار دولار في عام 2025، بزيادة بلغت 60.1 في المئة.
كما ارتفعت صادرات بند "الإسمنت والزجاج والسيراميك ومنتجات التربة" من 90.241 مليون دولار إلى 134.515 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
وتظهر بيانات الربع الأول من 2026 استمرار هذا المسار، إذ ارتفعت قيمة البند نفسه من 27.306 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025 إلى 45.893 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2026.
اقرأ أيضاً
سوريا توقّع اتفاقية مع الأردن لشراء الغاز الطبيعي ودعم الكهرباء
وأضاف أن هذا الواقع "تسبب بارتفاع تكاليف الانتاج في سوريا بشكل كبير جدا وأخرجها من المنافسة مع المنتج المستورد بجمارك مخفضة جدا"، مشيراً إلى أن المعامل في البلدان المجاورة "يشكل بند حوامل الطاقة ما يقارب 15 في المئة فقط من كلفة المنتج بسبب استخدامهم للغاز الطبيعي رخيص الثمن".
العبد لله قدّم التوصيف نفسه تقريباً، وقال إن "أبرز التحديات التي تواجه صناعة السيراميك أولاً، ارتفاع تكاليف الطاقة، وهي العامل الرئيسي في كلفة الإنتاج، حيث تتجاوز نسبتها 40 في المئة".
وتابع أن أثر الطاقة لا يقتصر على التصنيع المباشر، إذ إن "باقي عناصر الكلفة، مثل النقل، ترتبط بشكل مباشر بأسعار الطاقة، ما يزيد الأعباء على المنتج المحلي".
وأوضح أن بعض المعامل الأخرى تعمل بطاقة منخفضة، مثل "بلقيس بطاقة منخفضة، وزنوبيا الذي يشغّل خطاً واحداً فقط من أصل 18 خط إنتاج".
"المستورد يتقدم والزبون يفضله"
من داخل السوق، قال تاجر سيراميك في دمشق إن "الحضور الأكبر حالياً للمستورد"، مشيراً إلى وجود منتجات "سعودية وأردنية وهندية وإسبانية وتركية وإيرانية وإيطالية"، إلى جانب بعض الإنتاج المحلي مثل "بلقيس وزنوبيا، لكن حضورها أقل".
اقرأ أيضاً
اتفاقية سورية - أردنية لتطوير منظومة العمل الجمركي
أما العبد لله، فدعا إلى "إعادة النظر في أسعار الطاقة للصناعة بما يتناسب مع الأسعار العالمية"، و"تخفيض كلف الكهرباء والوقود"، و"إصلاح آلية احتساب الرسوم الجمركية بحيث تكون عادلة وتعكس القيمة الحقيقية للمنتج"، إضافة إلى "تحقيق توازن بين حرية الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي".
وقال أيضاً: "نحن مع اقتصاد حر، لكن دون أن يكون ذلك على حساب إلغاء الإنتاج المحلي"، مضيفاً أن المطلوب هو "سياسات متوازنة تضمن حماية الصناعة الوطنية، وتحقيق مصلحة المستهلك، والحفاظ على استمرارية المنشآت الإنتاجية، بدلاً من تحولها إلى أصول معطلة".
تكشف الشهادات التي جُمعت للتقرير أن صناعة السيراميك في سوريا تواجه تراجعاً واضحاً في الإنتاج وحضوراً متنامياً للمستورد في السوق، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المعامل خرجت من العمل بالطريقة نفسها أو للأسباب نفسها.
فبين توقف بعض المنشآت، وتعثر أخرى، وتراجع حضور المنتج المحلي في السوق، تتقاطع عوامل الطاقة والاستيراد والرسوم مع مشكلات أقدم تتصل بالتحديث والقدرة على المنافسة. وفي ظل غياب توضيحات رسمية تفصيلية حول واقع هذا القطاع ومستقبله، تبقى صورة الصناعة محكومة بما تكشفه شهادات المعنيين بها على الأرض.
المصدر