
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 15 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
يتجاوز التعاطي الحكومي مع مؤسسة "السورية للتجارة" حدود إعادة هيكلة ما تبقى من منظومة الدعم الاجتماعي، ليمتد إلى إعادة صياغة دور المؤسسة ووظيفتها الأساسية، فبعد أن أُعلن عن إلغائها عقب سقوط النظام المخلوع عاد ملفها لاحقاً إلى الواجهة مع توجهات نحو استثمار أصولها وعقاراتها، قبل أن تُتخذ خطوة جديدة تمثلت في تأجير أكثر من 500 صالة للقطاع الخاص ضمن خطة لإعادة الهيكلة.
هذا المسار المتدرج يطرح تساؤلات حول مستقبل المؤسسة، وما إذا كانت الحكومة تتجه إلى تطويرها كذراع للدعم الاجتماعي، أم تمضي نحو خصخصة جزئية غير معلنة، في ظل استمرار غياب صيغة واضحة وحاسمة لملف الدعم الاجتماعي.
خطة إصلاحية تعيد المؤسسة إلى الواجهة
وفي التفاصيل، أعلنت السورية للتجارة، مؤخراً عن تأجير أكثر من 500 صالة تابعة لها في مختلف المحافظات ضمن خطة إصلاحية تهدف إلى تحويل الخسائر إلى أرباح من خلال استثمار الأصول وتوحيد منافذ البيع.
وأوضح مدير عام المؤسسة، عامر قسوم، في تصريح لوكالة الانباء السورية "سانا" أن المؤسسة كانت تعاني من ديون تجاوزت 50 مليار ليرة سورية (بحسب العملة القديمة) نتيجة لاختلالات سابقة، ما استدعى إطلاق خطة شاملة لإعادة الهيكلة، تعتمد على إيقاف الأنشطة الخاسرة والتركيز على الاستثمار.
وأشار قسوم إلى أن المؤسسة تضم نحو 4500 موظف وتمتلك 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعاً، إضافة إلى أسطول نقل لتوزيع المواد بالتعاون مع المؤسسة السورية للحبوب، موضحاً أن تأجير الصالات يهدف لتحقيق إيرادات مباشرة وتطوير باقي الصالات ضمن نموذج موحد.
وأضاف أن المؤسسة تعمل على إنشاء شبكة تضم 440 صالة بهوية ونظام بيع موحد، لتسهيل وصول المواطنين للسلع بأسعار تنافسية مع إمكانية التدخل لضبط السوق عند ارتفاع الأسعار.
وبيّن قسوم أن الصالات قسمت إلى فئتين، وأُعدَت دفاتر شروط فنية ومالية للمستثمرين، تشمل خطط تشغيلية وتجهيز الصالات ودراسات جدوى، مع تحديد مدة الاستثمار بـ 10 سنوات قابلة للتقييم.
وسبق أن أعلنت المؤسسة السورية للتجارة تحضيراتها لطرح المئات من العقارات والأصول التابعة لها في مختلف المحافظات للاستثمار، بعد توقف النشاط التجاري فيها، وحينها أعلنت المؤسسة أنها فتحت الباب أمام جميع المستثمرين، أفراداً وشركات، من داخل سوريا وخارجها، بشرط استيفاء الشروط القانونية، وتقديم الوثائق المطلوبة المنصوص عليها في دفاتر الشروط.
وأوضحت المؤسسة وقتها أن الشروط المالية حسب نوع العقار وموقعه وجاهزيته، في حين تتراوح مدة العقود بين سنة وخمس سنوات أو أكثر، بحسب دراسة الجدوى الخاصة بكل عقار.
اقرأ أيضاً
فساد بأكثر من 3 مليارات ليرة في "السورية للتجارة" باللاذقية واعتقال مديرها
حسم الملف أفضل الحلول
ويلفت جزماتي إلى أن الاستثمار سابقاً كان وسيلة لدعم حضور المؤسسة في السوق، أما الآن فهناك خشية من أن يصبح السوق الاجتماعي مجرد غطاء لمشروع تعظيم الإيراد، وهذه ليست مسألة لغوية، بل مسألة معيار نجاح؛ هل سنقيس المؤسسة بقدرتها على خفض الأسعار وتأمين السلع؟ أم بعدد العقود الاستثمارية والعائد السنوي؟
يتابع جزماتي: هنا نفهم لماذا ما تزال سوريا تحتفظ بجزء من الإرث الاجتماعي للدولة القديمة رغم الحديث عن اقتصاد السوق الحر؛ ليس لأن الحكومة عادت إلى الاشتراكية، بل لأن الواقع المعيشي لا يسمح بانسحاب الدولة دفعة واحدة من ملف السلع الأساسية.
ويضيف بأن الخطاب الحكومي نفسه يتحدث عن اقتصاد حر تنافسي وشراكة مع القطاع الخاص، لكنه في الوقت نفسه يؤكد بقاء الدور الاجتماعي والتنظيمي للدولة، وأن التدخل في التسعير يستمر في السلع الاستراتيجية، ومع بقاء الحد الأدنى للإنفاق.
وتأسيساً على ما سبق، يرى جزماتي أنه يتوجب على الحكومة حسم الدور الأساسي لـ"السورية للتجارة" قبل أي شيء آخر، فإذا كانت تريدها مؤسسة تجارية استثمارية، فعليها أن تقول ذلك صراحة، وأن تتوقف عن تقديمها كأداة دعم اجتماعي، وأن تنقل ملف الحماية الاجتماعية إلى مؤسسات مختصة وشبكات دعم واضحة، أما إذا كانت تريدها ذراعاً للتدخل الإيجابي وحماية المستهلك، فعليها أن تعترف بأن الربحية هنا ليست المعيار الأول، وأن تضع لها التزامات خدمة عامة واضحة وتمويلاً صريحاً يعوّض كلفة هذا الدور.
لكن الأسوأ ـ برأي جزماتي ـ هو الإبقاء على الصيغة الهجينة الحالية؛ تحميل المؤسسة وظيفة اجتماعية، ثم محاسبتها بمنطق الربح، ثم تبرير التحول الاستثماري باسم التطوير.
اقرأ أيضاً
المصدر