
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 15 نيسان 2026 الساعة 5 صباحاً
كان من المتوقع أن تشهد سوريا ما بعد الأسد حالة من التماسك الاجتماعي ترتق الخروق المجتمعية التي خلفها النظام الفاشي البائد ولا سيما على مستوى التفكك الطائفي الذي اعتمده الأسد كقنبلة موقوتة يفجرها متى يشاء في خطة حربه على الشعب السوري، وقد فعلها حقيقة حينما احتاج لذلك، ولا تزال شظايا تلك القنبلة تتناثر في كل مكان من سوريا، ولهذا نرى تراكم مفردات اللغة الطائفية ونبرتها العالية، وكل طرف يتحدث عن مظلوميته، ولكل طرف أنصاره ومؤيدوه، غير أن الطائفة المهملة حقاً اليوم في سوريا هي طائفة الفقراء وهي تشكل الأغلبية الساحقة في المشهد السوري، وتبدو حتى الآن بلا مؤيدين ولا أنصار ولا مدافعين عنها وعن حقها في الخلاص من معاناتها..
وما إن يطلق المنتمون إلى هذه الطائفة/الفئة صرخاتهم المحتجة على الأوضاع الاقتصادية المتردية، حتى يواجهون بجملة من الحقائق التي تحولت مع مرور الوقت إلى ذرائع تكرس التبريرات وتحيل من خلالها أسباب الأوضاع الاقتصادية الهشة إلى السنوات الأربع عشرة العجاف التي دمرت كل شيء في سوريا، وتؤكد على أن استعادة التموضع الاقتصادي تحتاج إلى وقت، وكثيراً ما يُواجَه المطالبون بشروط حياة أفضل بتهمة الاستعجال وقلة الصبر، والرغبة بالوصول إلى الحلم دفعة واحدة وما بين يوم وليلة، وبأنهم لا يراعون الظرف الصعب الذي تمر به البلاد بعد التحرير..
بالتأكيد لعبت ظروف الحرب الأميركية الإيرانية في الفترة الأخيرة دوراً وأحدثت أثراً سلبياً على حركة التجارة وبالتالي على الاقتصاد العالمي، ولكن كان من المفترض أن تكون سوريا أقل المتضررين..
لا يستطيع أحد بالطبع أن ينكر كل تلك المبررات والتي هي حقائق لا تقبل الشك، ولا سيما بالقياس إلى حجم الخراب والدمار المادي والمعنوي الذي خلفه الأسد، كما لا يمكن التقليل من صعوبة الوصول إلى احتياجات الناس، ولا حجم التحديات التي تقع على عاتق الحكومة الحالية في انتشال المواطنين من دوامة العجز المالي، ولكن هل الأمر كله متعلق حقاً بتلك الظروف؟ وهل هذا هو ما يعيق الوصول إلى الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي؟ وإلى متى ستبقى مطالب الناس تواجه بحائط الصد هذا؟ أم أن ثمة خللاً في الإدارة وتقصيراً في صناعة الأولويات أو إهمالاً لآلام الناس من قبل المسؤولين الجدد الذين لا يبدو أنهم يشاركون الفقراء معاناتهم؟
نظرياً، تم تبديد العثرات الكبيرة أمام عجلة الاقتصاد من خلال منجزات عديدة تحسب للإدارة السورية الجديدة، كان أهمها إنهاء العمل بقانون قيصر، ولكن نتائج إلغاء هذا القانون لم تبدأ بالظهور والانعكاس على حياة السوريين حتى الآن، صحيح أن ثمة كثير من المشكلات التقنية التي ما زالت بحاجة إلى إجراءات عملية لحلها والوصول إلى النتائج المرتقبة، ولكن القانون نفسه لم يعد موجوداً، مما يرتب على المسؤولين التعامل مع نتائج إلغاء القانون بطريقة تعود على المواطن ببعض الفائدة، وتشعرهم بأن ثمة بداية ولو كانت بطيئة بدأت ترتسم معالمها في الأفق، وأن ثمة أفقاً ما ينذر بنهاية معاناتهم أو تقليصها بالحد الأدنى..
ولكن حسناً، سندع ذلك جانباً ونركز على أهم تطور شهدته سوريا في الأشهر الأخيرة وهو المتعلق بعودة مناطق الجزيرة إلى الدولة السورية (الرقة- دير الزور- الحسكة) بعد التسوية السلمية مع قسد، حيث انعقدت الآمال على ذلك التطور الذي كان من شأنه أن يحدث فارقاً نوعياً ملموساً وسريعاً وإسعافياً في حياة المواطن، فبعودة منطقة الجزيرة عادت الثروات الهائلة لتكون بيد الحكومة السورية وذلك يعني إمكانية حل كثير من الأزمات الخانقة التي كانت تقيد الحياة الاقتصادية، صحيح أن المسألة تحتاج إلى وقت أيضاً قبل أن تتضح ملامح تلك النتائج الإيجابية وتتبلور بصيغة مرضية، ولكن كان من المنتظر أن تبدأ تجليات ذلك التطور الإيجابي بالظهور، وفي الحد الأدنى أن يكون لذلك دور في لجْم الارتفاع غير المبرر لأسعار السلع والمواد الغذائية بشكل خاص، وتوليد فرص عمل، وكثير من المنعكسات الإيجابية الأخرى التي كان السوريون ينتظرون حدوثها بعد عودة ثروات الجزيرة لتكون ملكاً للدولة، ولكن المواطن لم يلمس شيئاً من ذلك حتى الآن بل على العكس، فقد بدأت الأوضاع الاقتصادية تشهد تدهوراً أكبر في الوقت الذي كان المواطن ينتظر انفراجة ما..
بالتأكيد لعبت ظروف الحرب الأميركية الإيرانية في الفترة الأخيرة دوراً وأحدثت أثراً سلبياً على حركة التجارة وبالتالي على الاقتصاد العالمي، ولكن كان من المفترض أن تكون سوريا أقل المتضررين، كما أن الاضطرابات التي يشهدها العالم والمنطقة أيضاً لا تزال مفتوحة الهوامش، فهل على المواطن السوري أن ينتظر نهاية الأزمات الدولية والإقليمية أيضاً ليشعر بشيء من الراحة وليكون قادراً على التنفس بعد سنوات طويلة من الاختناق والمعاناة؟
بالإضافة إلى ذلك، فإن ثمة أمرين هامين يشغلان تفكير السوريين ممن ينتمون إلى طائفة الفقراء، أولهما حملات التبرعات التي لم يلمس المواطن أثرها لا على المستوى الخدمي ولا على مستوى التعافي الاقتصادي، رغم أن الوعود التي تأسست على تلك الحملات فتحت باب الأمل واسعاً أمام مختلف الشرائح في سوريا، وثانيهما الاستثمارات التي من المفترض أنها باتت قيد التنفيذ بما تحمله من انتعاش وفرص عمل وارتفاع مفترض لدخل الفرد، غير أن كل ذلك بقي في إطار التصريحات والوعود ولم يجد المواطن أثراً له في حياته العملية..
في المقابل، ثمة أموال ضخمة تم إنفاقها على مشاريع غير إسعافية وتحتمل التأجيل، أو مشاريع تحمل الجانب الترفيهي مثل الفعاليات الثقافية الضخمة كمعرض الكتاب، أو حتى الميزانية التي تم تخصيصها لمشروع الهوية البصرية وغيرها، كل ذلك يجد فيه المواطن تأجيلاً لقوت يومه على حساب فعاليات قابلة للتأجيل، بما يعطي انطباعاً أن الحكومة تضع المواطن وهمومه في آخر جدول أولوياتها، وصولاً إلى قناعة لاحقة بأنه -المواطن- ليس ضمن أولويات الحكومة، وهو أمر بالغ الأثر على السوريين في هذه المرحلة وبعد مأساتهم التي امتدت لما يقارب عقداً ونصف..
يفترض المواطن، وبعد كل الإجراءات الاقتصادية الحكومية، أن السياسة الاقتصادية تعتمد على التقشف، بل يتوجب على الدولة الجديدة أن تعتمد تلك السياسة نظراً للمشكلات البنيوية العميقة التي تتحكم في الاقتصاد بشكل أساسي، ولكن هذا التقشف كان من نصيب المواطن نفسه ولا يشمل المؤسسات الحكومية واحتياجاتها التي تقترب من حالة البذخ، وما على المواطن إلا الانتظار، في حين يمكن قلب المعادلة، ليكون التقشف من نصيب المؤسسات الحكومية ليس من أجل رفاهية المواطن بل من أجل احتياجاته الأساسية، وحماية كرامته التي بذل من أجلها الغالي والنفيس، وهنا نجدنا أمام الأولويات المقلوبة التي تعتمدها الحكومة ويرى المواطن نتائجها، الأمر الذي من شأنه أن يهدم جسور الثقة مع الناس.
لقد انتظر السوريون طويلاً وهم على استعداد للانتظار بالتأكيد لفترة أطول، لأنهم يدركون المرحلة المعقدة التي تمر بها البلاد، ولكنهم يطالبون بالحد الأدنى الذي يعينهم على ذلك الصبر، فطائفة الفقراء لا تسعى وراء الرفاهية، وتبحث فقط عن الكفاف..
وبصرف النظر عن ذلك كله، فإن من الملفت أن المسؤولين في الدولة لا يعيشون نمط حياة يدل على حالة تقشف، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى الرسمي، فلا معاناة لدى المسؤولين، ولا احتياجاً مالياً ولا ضائقة، الأمر الذي يزيد من مرارة المعاناة حينما يشعر المواطن أنه ينتمي لطبقة أدنى، وأن طبقة المسؤولين ليست فقط ثرية وميسورة بل أيضاً لا تحس به ولا تسعى لحل أزماته.
لقد بات بوسعنا اليوم الحديث عن بطالة صريحة، فثمة نسبة كبيرة من السوريين لا تجد عملاً، أو تفقد عملها بالتدريج، ويعود ذلك كله إلى الخطأ في ترتيب الأولويات، وإذا استمرت المشكلة بالتفاقم فربما نشهد حالة مجاعة حقيقية، فثمة كثيرون اليوم ممن يعانون من الجوع، ولا تزال معاناة طائفة الفقراء تشتد تدريجياً من دون حلول عملية تلوح في الأفق، وإذا كانت ثمة حلول مؤجلة لصالح مشاريع أخرى، فعلى المعنيين المباشرة بإعادة ترتيب الأولويات ليس من أجل اقتلاع المشكلة من جذورها فهذا يتطلب وقتاً وصبراً بالتأكيد، ولكن لكي يتلمس المواطن بداية فعلية قد تفضي لاقتلاع الضرس المنخور في عجلة الاقتصاد.
لقد انتظر السوريون طويلاً وهم على استعداد للانتظار بالتأكيد لفترة أطول، لأنهم يدركون المرحلة المعقدة التي تمر بها البلاد، ولكنهم يطالبون بالحد الأدنى الذي يعينهم على ذلك الصبر، فطائفة الفقراء لا تسعى وراء الرفاهية، وتبحث فقط عن الكفاف، وهو ما لم تحققه الحكومة لهم حتى الآن، ولا مؤشرات واضحة إلى متى ستطول أزمتهم، وهو ما يهدد بانفجار محتمل قد يعيد الأمور إلى ما لا تحمد عقباه..
يفرق المحللون دائماً بين ثورة الكرامة وثورة الجياع، ولكننا لا يمكن أن نفصل النوعين بشكل حاسم، فالفقر والجوع وإهمال المتطلبات الأولية للحياة المواطن، يعني أيضاً إهانة كرامته، وبالتالي فإن توفير فرص العيش المقبول يعني الاهتمام بكرامة الإنسان، وكل الآمال تعلقت بالإدارة الجديدة لانتشال السوريين من حفرة الذل التي احتجزهم فيها نظام الأسد، فهل ستلتفت الحكومة السورية إلى هذا الملف باعتباره أولوية، أم أن الهوة ستتسع باطراد بشكل تعيد السوريين إلى الحفرة التي ضحوا بكل شيء للخروج منها؟
المصدر