
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 15 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
لم تعد العلاقات السورية التركية حبيسة التوازنات العسكرية والسياسية فحسب، بل بدأت تأخذ منحىً براغماتياً يضع "الاقتصاد" كقاطرة محتملة لتفكيك أزمات العقود الماضية. ففي خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في استراتيجية التعامل مع المتغيرات الإقليمية، تبرز "الدبلوماسية التجارية" اليوم كأداة حيوية تسعى من خلالها أنقرة ودمشق لتجاوز حقول الألغام السياسية، وبناء جسور من المصالح المتبادلة التي تبدأ من تنشيط الممرات الحدودية وتصل إلى طموحات إعادة الإعمار الشاملة.
وبينما يفرض الانهيار الاقتصادي في سوريا تحديات جسيمة، ترى أنقرة في استقرار جارتها الجنوبية ضرورة أمنية وقومية لا تقبل التأجيل.
قنوات دبلوماسية تجارية بين أنقرة ودمشق
شهدت مدينة إسطنبول اليوم الثلاثاء انطلاقة مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين سوريا وتركيا، حيث توجت أعمال الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بتوقيع اتفاقية تعاون شاملة تهدف إلى دفع عجلة التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين. أكد وزير التجارة التركي "عمر بولاط" أن بلاده تولي أهمية قصوى لتفعيل الدبلوماسية التجارية مع الجانب السوري، مشيراً إلى وجود تطلعات جادة لدراسة وتوسيع آفاق التعاون الصناعي المشترك.وتهدف هذه الاتفاقية إلي تنشيط التبادل التجاري: تسهيل حركة تدفق السلع والخدمات عبر الحدود وتقليل العوائق التجارية. تحفيز الاستثمار: بناء جسور الشراكة بين القطاعين العام والخاص في البلدين، وتشجيع إطلاق مشاريع استثمارية مشتركة. تطوير القطاعات الحيوية: تعزيز التعاون التقني والفني في المجالات الاستراتيجية ذات الاهتمام المتبادل. في هذا السياق، أكد وزير التجارة التركي عمر بولاط، عقب مباحثات موسعة مع وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، أن أنقرة تسعى بجدية لتطوير قنوات "الدبلوماسية التجارية" القائمة على الثقة المتبادلة، مشدداً على أهمية تقييم فرص التعاون الصناعي وتحديث الإجراءات الجمركية بما يخدم المصالح الاقتصادية المشتركة للبلدين. ومع رغبة أنقرة في خلق مناخ مناسب للاستثمار في دمشق يبزر سؤالا مهما كيف يمكن تطور القنوات الدبلوماسية التجارية بين أنقرة ودمشق ؟ الحقيقة أن تطوير قنوات "الدبلوماسية التجارية" بين دمشق وتركيا مسألة ضرورية لكلا من البلدان ولهذا يجب بناء إطار مؤسسي متكامل يرتكز على تفعيل "اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة" (JETCO) كمنصة دائمة لتنسيق السياسات، حيث يتجاوز هذا التعاون مجرد تبادل السلع إلى مرحلة الربط المالي المباشر عبر إنشاء حسابات مصرفية مراسلة بين البنكين المركزيين لتسهيل الحوالات بعيداً عن التعقيدات النقدية السابقة. كما يشمل هذا التطور تحديثاً شاملاً للإجراءات الجمركية وتشغيل كامل المنافذ الحدودية لخلق ممرات تجارية سريعة تمتد حتى دول الخليج، بالتوازي مع إطلاق "منتدى الأعمال والاستثمار" الذي يجمع القطاع الخاص في مجالات الطاقة، والإعمار، واللوجستيات؛ مما يسهم في تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع صناعية واستثمارية ملموسة تعزز الثقة المتبادلة وترفع سقف التبادل التجاري المستهدف إلى نحو 10 مليارات دولار.
يبرز ملف اللاجئين السوريين كقضية ضاغطة تتداخل فيها الحسابات الداخلية التركية مع ضرورة توفير "بيئة آمنة" للعودة، وهي ملفات تتطلب توافقات إقليمية ودولية أوسع تتجاوز الإرادة الثنائية للبلدين، مما يجعل المسار الدبلوماسي يتحرك بحذر وسط حقل من الألغام السياسية والتشريعية المعقدة.
عقبات تطور قنوات تجارية
وعلى الرغم من كوننا نتحدث عن الاتفاق بين دمشق وأنقرة والتطلع إلى فتح وتطوير قنوات "الدبلوماسية التجارية" بين دمشق وتركيا إلا أن هذا الحديث لا يعني غياب العقبات التي تلقي بظلالها الثقيلة على الملف الاقتصادي والتجاري بين البلدان فتمثل أبرز الصعوبات التي تواجه تطور القنوات الدبلوماسية بين أنقرة ودمشق في تعقد الملفات الأمنية والسياسية العالقة، وفي مقدمتها قضية الوجود العسكري التركي في الشمال السوري ومطالب دمشق بجدولة الانسحاب كشرط أساسي للتطبيع الكامل، يقابلها مخاوف أنقرة المتعلقة بأمن حدودها ومكافحة التنظيمات التي تصنفها إرهابية. كما تشكل العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، وخاصة "قانون قيصر"، عائقاً كبيراً أمام بناء علاقات اقتصادية ومصرفية متكاملة، حيث تخشى الشركات والبنوك التركية من التورط في معاملات قد تعرضها لجزاءات أميركية أو أوروبية. بالإضافة إلى ذلك، يبرز ملف اللاجئين السوريين كقضية ضاغطة تتداخل فيها الحسابات الداخلية التركية مع ضرورة توفير "بيئة آمنة" للعودة، وهي ملفات تتطلب توافقات إقليمية ودولية أوسع تتجاوز الإرادة الثنائية للبلدين، مما يجعل المسار الدبلوماسي يتحرك بحذر وسط حقل من الألغام السياسية والتشريعية المعقدة.
لماذا دمشق؟
شهدت الفترة الأخيرة وبالتحديد منذ سقوط الأسد الدعم الذي تقدمه أنقرة لدمشق على كل المستويات العسكري والتجاري والاقتصادي والسياسي، فلماذا تقدم تركيا هذا الدعم لدمشق في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تمر بها دمشق؟ رغم الانهيار الحاد الذي يعانيه الاقتصاد السوري، إلا أن رغبة أنقرة في التعاون تنطلق من رؤية استراتيجية براغماتية ترى في الاستقرار الاقتصادي لجارتها مصلحة أمنية وقومية مباشرة؛ فتركيا تدرك أن استمرار الانهيار المعيشي في سوريا يعني تدفق موجات جديدة من اللاجئين واستدامة حالة الفراغ الأمني التي تستغلها الجماعات المسلحة المناوئة لأنقرة، لذا فإن المساعدة في إنعاش الاقتصاد السوري —ولو جزئياً— يعد أداة لتثبيت السكان في مناطقهم وتوفير "بيئة عودة" طوعية للاجئين السوريين في تركيا. علاوة على ذلك، تطمح أنقرة لاستعادة دورها كبوابة تجارية رئيسية ومنصة لعبور الصادرات التركية نحو الأسواق الخليجية والأردنية عبر الأراضي السورية، مما يجعل من "إعادة الإعمار" فرصة ضخمة لشركات المقاولات والصناعة التركية المتعطشة لأسواق جديدة، محولةً بذلك الملف السوري من عبء أمني واقتصادي استنزافي إلى فرصة جيوسياسية واستثمارية طويلة الأمد تعزز من نفوذ تركيا الإقليمي وتؤمن حدودها الجنوبية.
إن سوريا وتركيا لن تحققا استقراراً اقتصادياً فحسب، بل ستضعان حجر الأساس لمعادلة إقليمية جديدة تعيد صياغة مفهوم الأمن عبر التنمية؛ لتتحول الحدود من نقاط تماس عسكرية إلى شرايين حياة اقتصادية تربط الشمال بالجنوب..
وأخيراً، يظهر المسار الجديد بين أنقرة ودمشق أن "لغة الأرقام" باتت تمتلك صوتاً مسموعاً وسط ضجيج الخلافات السياسية والأمنية. إن نجاح قنوات الدبلوماسية التجارية في تحقيق أهدافها لا يتوقف فقط على توقيع الاتفاقيات في الغرف المغلقة، بل يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الطرفين على تفكيك العقد "السيادية" العالقة وتحييد الملف الاقتصادي عن التجاذبات الدولية الحادة. فإذا ما نجحت هذه التفاهمات في التحول إلى مشاريع ملموسة على الأرض، فإن سوريا وتركيا لن تحققا استقراراً اقتصادياً فحسب، بل ستضعان حجر الأساس لمعادلة إقليمية جديدة تعيد صياغة مفهوم الأمن عبر التنمية؛ لتتحول الحدود من نقاط تماس عسكرية إلى شرايين حياة اقتصادية تربط الشمال بالجنوب، وتطوي صفحة الصراع لصالح مستقبل تحكمه المصالح الجيوسياسية المشتركة.
المصدر