نحو "الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي".. مشروع برسم التفعيل



تلفزيون سوريا: الأربعاء, 15 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً

يقدّم القرآن الكريم رؤية متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع، إذ لا يقتصر خطابه على الجوانب الروحية فحسب، بل يمتد ليؤسس لمنظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة والكرامة الإنسانية. ومن أبرز الآيات التي تعكس هذا البعد التنموي قول الله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَاهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ النَّاسَ إِلۡحَافٗا﴾. وتؤسس هذه الآية لمفهوم عميق من التمكين الاقتصادي للفئات التي مُنعت من العمل بسبب ظروف قاهرة، مع الحفاظ على كرامتها الإنسانية. وفي السياق السوري، حيث خلّفت سنوات الصراع آثارًا إنسانية واقتصادية عميقة، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترجمة هذا التوجيه القرآني إلى سياسات عملية تعيد دمج الفئات المتضررة في دورة الإنتاج. يهدف المشروع إلى نقل هذه الفئة من حالة العجز إلى التمكين الاقتصادي، ضمن رؤية وطنية اقتصادية وإنسانية تستند إلى القيم الأخلاقية التي رسخها القرآن الكريم، وتستفيد في الوقت ذاته من أدوات التنمية الاقتصادية الحديثة لإعادة بناء سوريا. تمثل الأرامل والأيتام وذوو الهمم، ولا سيما من فقدوا أطرافهم، إضافة إلى العاطلين عن العمل والمتضررين من عسف النظام السابق، نموذجًا معاصرًا للفئة التي وصفها القرآن الكريم بقوله «لا يستطيعون ضربًا في الأرض». ومن هنا تنبع أهمية الانتقال بهذه الفئات من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج، وهو ما يجسد جوهر مشروع تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي”. إذ يهدف المشروع إلى نقل هذه الفئة من حالة العجز إلى التمكين الاقتصادي، ضمن رؤية وطنية اقتصادية وإنسانية تستند إلى القيم الأخلاقية التي رسخها القرآن الكريم، وتستفيد في الوقت ذاته من أدوات التنمية الاقتصادية الحديثة لإعادة بناء سوريا. يجدر التذكير بأن سوريا امتلكت تجربة رائدة في هذا المجال من خلال “هيئة مكافحة البطالة”، التي تم تأسيسها خلال الأعوام 2002–2003 بهدف دعم المشاريع الصغيرة وتوفير فرص العمل. وقد أثبتت هذه الهيئة نجاحًا ملموسًا خلال فترة قصيرة، إذ تمكنت من منح نحو 14,400 قرض للمواطنين، ما أسهم في تحسين مستوياتهم المعيشية وتنشيط الاقتصاد المحلي. إلا أن هذه التجربة الواعدة لم يُكتب لها الاستمرار، إذ تم إغلاقها عام 2006 من قبل النظام السابق وبعض المتنفذين الفاسدين بعدما لمسوا الأثر الإيجابي لهذه المبادرة، وهو ما لم يتوافق مع مصالحهم. وفي ذلك الوقت، قمتُ بإعداد دراسة ميدانية شاملة استغرقت أربعة أشهر، خلصت إلى أن استمرار عمل هذه الهيئة كان كفيلًا بالقضاء على البطالة في سوريا خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، نظرًا لما أظهرته من قدرة عالية على تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة. وقد شكّلت هذه النتائج دليلًا واضحًا على أهمية الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأداة فعّالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبعد التحرير، أُعيد طرح هذا المقترح انطلاقًا من الإيمان بأهميته الاستراتيجية في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، إلا أنه لم يحظَ بالتفعيل المطلوب آنذاك. ويُعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك كان نقص السيولة النقدية بالليرة السورية قبل طباعة العملة الجديدة. أما اليوم، وبعد أن مكننا الله من طباعة عملة وطنية جديدة، فقد أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لتنفيذ هذا المشروع الحيوي، مما يجعله مشروعًا برسم التفعيل بانتظار الإرادة السياسية اللازمة لتحويله إلى واقع ملموس. يقترح المشروع تخصيص مبلغ تريليون ليرة سورية بالعملة القديمة، أو ما يعادل 10 مليارات ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي ما مجموعه نحو 90 مليون دولار أميركي، كمرحلة أولى لتمويل المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في مختلف أنحاء البلاد. ويتم توزيع هذا التمويل بما يحقق التوازن بين حجم المشاريع وقدرتها على خلق فرص العمل، حيث يُخصص 40٪ للمشاريع متناهية الصغر التي تقل كلفتها عن عشرة آلاف دولار، و30٪ للمشاريع الصغيرة التي تتراوح كلفتها بين عشرة آلاف وثلاثين ألف دولار، و20٪ للمشاريع المتوسطة التي تتراوح كلفتها بين ثلاثين ألفًا ومئة ألف دولار، إضافة إلى تخصيص نسبة 10٪ للتدريب والإدارة والمتابعة لضمان استدامة هذه المشاريع. وتُمنح هذه القروض دون فوائد ولمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مع اعتماد نظام نقاط يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقًا مثل الأرامل والأيتام وذوي الهمم والمتضررين من الحرب، مع إعطاء أولوية للمشاريع التي تخلق فرص عمل أكبر، ولا سيما في المناطق الريفية. كما يُكتفى بتقديم ضمانات اجتماعية من ثلاثة أفراد بدلًا من الضمانات العقارية المعقدة، مما يسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل وتعزيز روح التكافل المجتمعي، إلى جانب تخصيص برامج تدريب وبناء قدرات ومتابعة مستمرة لضمان نجاح المشاريع واستدامتها. إن تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” لا يمثل مجرد مبادرة اقتصادية، بل يجسد رؤية حضارية متكاملة تستلهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان. ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تمويل ما لا يقل عن 6800 مشروع من المشاريع الإنتاجية والخدمية والزراعية ومشاريع الثروة الحيوانية، وخلق ما لا يقل عن 37000 فرصة عمل مباشرة، فضلًا عن فرص العمل غير المباشرة، مما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويوسّع القاعدة الضريبية للدولة، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن سداد القروض سيتيح إعادة تدوير رأس المال لتمويل مشاريع جديدة، مما يضمن استدامة البرنامج على المدى الطويل. إن تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” لا يمثل مجرد مبادرة اقتصادية، بل يجسد رؤية حضارية متكاملة تستلهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان. فالانتقال من فئة «لا يستطيعون ضربًا في الأرض» إلى فئة منتجة يعكس تحولًا استراتيجيًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، ويؤكد أن إعادة بناء سوريا تبدأ بتمكين أبنائها اقتصاديًا. ومع توفر السيولة النقدية اليوم، لم يعد هناك ما يعيق تنفيذ هذه المبادرة، لتبقى “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” مشروعًا برسم التفعيل بانتظار تبنّيه من قبل صُنّاع القرار، ليكون نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وعدالةً لسوريا وأبنائها.    

المصدر