عيد النوروز في القصائد



تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 3 مساءً

نوروز وتعني "اليوم الجديد" باللّغتين الكرديّة والفارسيّة، ويقال إن أصل كلمة نوروز (Newroz) هو من الكرديّة، وتتكون من "نو" الكردية (new) بالحرف اللّاتيني والتي تعني "جديد"، وروز "Roz" وتعني "يوم" فيصير "يوم جديد."  ويُعتبر النّوروز عيدًا يحتفل به الكثير من قوميّات وأديان مختلفة متوزعين في دول متعددة، ويرتبط لدى معظم الشّعوب الآريّة بمناسبات ثقافيّة تاريخيّة  متنوّعة، عند الأكراد تمتد جذور الاحتفال بالنوروز إلى 3000 سنة بالتزامن مع تاريخ سقوط الإمبراطورية الآشورية بمشاركة من الميديين (أسلاف الأكراد)، وتحكي الأسطورة الكرديّة أن النّار التي تُشعل في النوروز هي محاكاة لشعلة النّار التي أشعلها كاوا الحدّاد على الجبل لإرسال إشارة النّصر إلى النّاس، حيث كان هناك ملك ظالم (أدهاق أو الضّحاك) وبسبب ظلمه رفضت الشّمس أن تشرق على بلاده والزهور رفضت أن تنبت، وكان على كتفيه أفعوانان كلّما جاعا تألم، ولم يسكت ذاك الجوع سوى أدمغة الأطفال، ضحّى كاوا بأولاده وبقي لديه طفلة واحدة، فرفض خسارتها وخبّأها في الجبل وأرسل للأفاعي دماغ خروف، نجح الأمر، فنحا أهالي القرية نحوه وبقي الأطفال في الجبل مع كاوا وكبروا وصاروا جيشاً اقتحم القلعة، وجّه كاوا الضّربة القاتلة للملك، وليخبر النّاس في بلاد ما بين النّهرين أشعل النّار فوق الجبل وفي النّهار التالي أشرقت الشّمس وبدأ يوم جديد.  حظي هذا العيد بالاهتمام من قبل شعراء العرب منذ زمن بعيد، وصوّر بأنّه رمز للخير والحياة مرتبط بالطبيعة والولادة ففي يوم النّوروز ٢١ آذار "مارس" ميلاد فصل الرّبيع. وقد سجّلت كتب التّاريخ والأدب هذه الأعياد بصورة دقيقة، مبيّنة سننها وطقوسها وعادات أقوامها، وصوّروها على أنّها أيقونة للخير والمحبة والوفاق.  وعبر التاريخ نجد أنّ عددًا من الخلفاء والسّلاطين والأمراء كانوا يقيمون الاحتفالات في هذه المواسم على أنّها أعياد مباركة تسود المحبة خلالها بين الناس، فيتبادلون أجمل الهدايا التي تزيد العيد بهجةً، وفي زمن المأمون أهدى أحمد بن يوسف الكاتب سفطاً من الذهب فيه عود هندي وكتب معه: "هذا يومٌ جرت فيه العادة بألطاف العيد والسعادة" ولأن الأدب مرآة عصره، كان لابد من حضور النّوروز في قصائد عدد من وجوه الشّعر العربي. فعن جمالية مهرجان الطبيعة الذي يبدأ بالنّوروز، يصف أبو نواس الربيع فيقول: يباكرنا النّوروز في غَلَس الدجى   بنور من الأغصان كالأنجم الزّهر يلوح كأعلام المطارف وشيه  من الصُّفر فوق البيض والخُضر والحُمر    أبو تمام أيضًا يذكر في قصيدته أن النّوروز هو صحة وشفاء: قد شرد الصّبح هذا الليل عن أفقه  وسوّغ الدّهر ما قد كان من شرقه سيقت إلى الخلق في النيروز عافية  بها شفاهم جديد الدّهر من خلقه وقد اتخذ الشّعراء في العهد العبّاسي من هذا العيد فرصة لمدح الخلفاء، الأمراء، الولاة أو الوزراء وارتبط عيد النّوروز في شعرهم بالطبيعية كما أسلفنا، فمثلًا البحتري: أتاك الرّبيع الطّلق يختال ضاحكاً  من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبّه النيروز في غسق الدّجى  أوائل ورد كنّ بالأمس نوّم ويختم قصيدته بمديح: وما زلت شمسًا للنّدامى إذا انتشوا  وراحوا بدورًا يستحثون أنجما تكرّمت من قبل الكؤوس عليهم  فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما  وهنا أبياتٌ لأبي الطّيب المتنبي في المديح يحضر فيها عيد النّوروز وجماله: جاءَ نَيروزُنا وَأَنتَ مُرادُه
وَوَرَت بِالَّذي أَرادَ زِنادُه هَذِهِ النَّظرَةُ الَّتي نالَها مِنــكَ إِلى مِثلِها مِنَ الحَولِ زادُه يَنثَني عَنكَ آخِرَ اليَومِ مِنهُ
ناظِرٌ أَنتَ طَرفُهُ وَرُقادُه نحن في أرض فارسٍ في سرورٍ ذا الصّباح الذي نرى ميلاده وقال عبد الصمد بن بابك يخاطب الصّاحب بن عباد وزير عضد الدّولة البويهي الدّيلمي، مشبّهاً الخير الذي ينشره بالجمال والخير الذي ينشرهما النّوروز: لقد نشر النّيروز وشيًا على الرّبى  من النّور لم تظفر به كفّ راقم كأنّ بن عباد سقى المزن نشره  فجاد برشاش من الوبل ساجم وفي الشّعر المعاصر ما يزال عيد النّوروز موجودًا ويعود استمرار حضوره كلّ هذه الفترة بحسب اعتقاد عدد من الباحثين إلى الفلسفة الوجوديّة التي ينطوي عليها، وهي التّوالد والاستمراريّة اللتان تتجسّدان في الطّبيعة مع بداية كلّ ربيع.  لكن وجوده المعاصر اكتسب أبعادًا جديدةً، فنجد قصيدة للشّاعر العراقي بدر شاكر السّيّاب يظهر فيها النّوروز ثورةً للفقراء والكادحين والثائرين على الظّلم الذي كانوا يعانون منه، ويذكّر بالظّلم الواقع على الفقراء العرب والكرد في العراق إذ قال فيها: وقرّب القيد من شعبين شدّهما
ووجهت من خطى الشّعبين أفكار ووحّد الجوع عزم الجائعين على
أن يقودهما وألّا تخمد النّارُ وهناك قصيدة مترجمة للشّاعر الكرديّ شيركو بيكه س، فيها حزن وإصرار حتّى الوصول للنّور، فكأنّها تكثيف لمغزى أسطورة عيد النّوروز، عنوانها "في طريق الدّم" : "حدّثني طريق الدّم: من قصص المسافرين الذين هبطوا من منبع النّار مع الشّمس ودخلوا بإصرارٍ إلى فجر جراحات زرادشت هؤلاء المسافرون في المرحلة الأولى من سفرتهم: علقوا الليل برؤوس رماحهم فرّفوا أرواحهم عن أجسادهم غرسوا أعينهم في الأفق وحدوا كلامهم مع الخطوات وهكذا حرّروا النّور من سجنه في المغارة ومزّقوا الليل الذي لم يكن ينتهي بالصّباح".

المصدر