
تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 3 مساءً
بتآزر جماعي، قدم المخرج السوري محمد عبد العزيز عمله الرمضاني لهذا الموسم "عيلة الملك"، مشتقاً من اسمه تكنيكاً فنياً لنظام العوائل، بدءاً من غروب التأليف التي ضم شادي كيوان، ومعن سقباني، وميادة ابراهيم، وانتقالاً إلى عائلة "الحدوتة" المؤلفة من أسرة الفنان (سلوم حداد) في رغبة لتطبيق "بطولة الكاست" كنموذج عاود الانتشار في السينما العالمية، مروراً بكادر ضخم من الفنيين، تضافرت جهودهم كعائلة واحدة، وانتهاء بفريق إخراجي تحت قيادة عبد العزيز، وبمعاونة مساعدين آخرين.
يتحدد الفضاء المكاني للعمل في دمشق، فيما يؤرخ مجاله الزماني عام ٢٠٢٤، وتدور الحكاية حول عائلة رجل أعمال نافذ (جبري الملك/ سلوم حداد)، الذي يعتقله أحد فروع الأمن، ويصدر رواية وفاة، مؤذنة بإشهار حرب باردة بين أولاد غير أشقاء، حصيلة زيجات عدة، ما حمل تضمينياً علامة مؤججة للصراع، منطلقة من العرف المجتمعي الذي يكرس مشكلة التفكك الأسري الناتج عن تعدد الأمهات، ليشكل الإرث الذي شمل إمبراطورية مالية لا يستهان بها دافعاً حتمياً لغائية الخصومة.
نظام الكاركتر
يسير العمل وفق نظام الكاركترات، والتي تجلت في أبرز صورها مع شخصية (مازن/ لجين إسماعيل)، الذي أمضى توقيعاً على شخصيات متناثرة لم تصل إلى حدود الشخصية الدرامية المتكاملة الأبعاد. فمن الناحية المادية المتعلقة بالمظهر، اتكأ الفنان على هندام محدثي النعمة؛ طقوم ملونة مزركشة، ومجوهرات معلقة هنا وهناك، قلائد مدلاة من العنق، وسلاسل تحيط المعصمين، في استجرار ملحوظ لتنميط رتيب، مع تصفيف شعر من طراز رديء، بألوان صناعية بينة، فالشخصية تمازجت مع الهزل، وتواءمت مع الملهاة، في تناقض محسوس مع اجتماعية الأقصوصة، ورزانة السرد. ورغم اجتهاد النجم ليبلي بلاءً حسناً، بدا تمثيله استعراضاً تهكمياً للغة الجسد، واستجداءً لسايكولوجيا الأنا، كما غابت مخارج الحروف في ألفاظ عدة، في محاولة خجولة لاستحداث طريقة متفردة في الكلام، تسجل بصمة خاصة لنمط درامي مستنسخ.
في حين قدمت النجمة (ديما بياعة/ سلوى) شخصية مشغولة بعناية، وحكاية لصبية أعادت الفنانة إلى إطار المعاصر، وسير الحارات الشعبية، التي افتقدتها منذ رواية غيداء في مسلسل "غزلان في غابة الذئاب"، ولا يخفى على أحد دماثة ثنائية (شكران مرتجى/ سندس)، و(تيم عزيز/ مراد)، ذاك الخط العاطفي الرشيق الذي نكّه العمل، وجعل من مشاهدهما محطات لصنع الابتسامة، وباستخدام متنامي التطور للأدوات التمثيلية، لدى شاب يافع يرسم خطاه بكل تمهل، وبرابط غرامي نال رفضاً اجتماعياً من المجتمع المتلقي، لكنه قوبل بالمصادقة من شرائح مختلفة ضمن إطار العمل، ما انطوى بداخله على أيقون رمزي مزدوج، أفشى في خطه الأول خبايا الاضطهاد المجتمعي لأحقية المرأة في اختيار شريكها، وأحال في الخط الثاني إلى مدلول يدحض نمذجة الفكر، فقد حظيت شراكة الكبيرة والصغير بمباركة معقولة من الوسط القريب، كما شهد العمل إقحام لأدوار هامشية، على معرفة ليست بالثرية بتقمص الشخصيات، واعتبرت إضافة غير موفقة، إذ قدمت المطلوب منها بتكلف مستغرب، وبانفصال شبه تام عن العفوية الأدائية، كما في خط كل من أبي الدهب وابنه أبي هيكل، فمن الملاحظ أن لدى الطفل عوز كبير لتدريبات مكثفة، وأنه زُجَّ في غير مطرحه، فقدم ووالده كاركترات بدت كعرائس العيد، مثقلة بالأطواق والأسوار، ومتلألئة بلا منطقية، تعثرت حكماً في تسجيل الهدف.
نسيان أم تناسٍ؟
ومع الانتقال إلى السياقات المجتمعية، يبدو أن كتاب العمل قد نسوا تفاصيل بسيطة في حياة السوريين زمن النظام السابق، فافتعلوا أحداثاً لم يكن يجرؤ أحد على الإتيان بها، كما في حالة الاحتفال بعراضات شامية مع خروج المعتقلين، أو تأهب مراد لشن هجوم أسطوري على حاجز أمني تابع للدولة، كما وردت جملة ألفاظ، ومحكيات هاتفية، كانت في نطاق المحظور، كقول توصيف (شبيحة) علناً، والإخبار تلفونياً باعتقال فلان، والإفصاح علناً عن احتفالات النوروز، وكلها أمور كانت في عداد المنسيات، ما انطوى على علامة رمزية عززت رحابة صدر عائلة الأسد، وتقبلها للنقد، وللفظ سلوكيات رجالها، وهذا مخالف لحقيقة الدكتاتورية، التي عدت الأنفاس على جميع الناس.
وأيضاً، تبدى انفصال صانعو العمل عن الواقع، حينما رموا منشورات مباركة موجهة من الأخوين الملك، إلى ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، وتناثرت بطاقات التهنئة على الأرض في حركة عبثية غير قارئة لطبيعة الخط الذي اعتمده الأسد الأخ، إذ كان من الممنوع تداول صوره، فكيف لو تكاثرت على آلاف البطاقات، ورميت أرضاً بتلك الطريقة المهينة!
ديكور يكاد أن ينطق
إخراجياً، كثف عبد العزيز بشكل مبالغ من تتبعية الكاميرا بكافة أشكالها؛ تتبع للأمام، حيث سبقت الكاميرا الهدف، بينما تقدم الممثل نحوها، فبقي وجهه في الكادر، وتتبع للخلف، حيث تتبعت الكاميرا الهدف من ظهره، وهو يبتعد عنها، ولذلك اعتمد نظام (Play Back)، استغلالاً لتوظيف الزاوية الخلفية التي تخفي الشفاه، وبالتالي تقل الحاجة إلى (Lipsing)، فتتبعية الكاميرا أجبرت حاملها على التنقل من بلوك إلى آخر، مع سياقات مكانية مختلفة، ما تسبب بمطّ درامي مرهق، وأدخل العمل بالحشو غير المبرر، فلا غرض من تصوير مجيء كل شخصية، ونقل تفاصيل حركاتها، كما أن ازدحام الحركة الميكانيكية ينتج لزاماً توتراً متناوباً وقلقاً متواتراً لدى نفسية المشاهد، وذلك عبر التجزئة الدرامية، التي نالت الفولوينغ نصيب الأسد منها، والتي أرفقت بتقنية (Shaky Cam) فبدا اهتزاز الكاميرا دالاً سيميائياً يحيل إلى مدلول سينمائي هادف لإدخال المشاهد إلى معترك الواقعة، وبث حفنة معتبرة من فيض الإثارة.
كما طغى التصنع على الديكور، فتكاد مواقع التصوير تنطق لتقول "إنه مكتب لفرع أمن، أستحلفكم الله صدقوا"، فصور بشار الأسد والعلم الأحمر تكدست على الجدران، بينما تتراكب الصور المختلفة في كل مكان، سواء للاعبين كبرهنة من المخرج لابنه المدلل على مناصرة الأرجنتين وبرشلونة حتى على صعيد التصوير، أو على مستوى اكتظاظ ورش الخياطة بتصاميم ولوحات، إنها مبالغة سينوغرافية حصرت تمثلاتها الثقافية في خانة التصاوير، مع أن الطبيعة المكانية كافية بذاتها لإنتاج لوكيشنات محاكية للحقيقة، أما حارة عوني فهي مزيج من التصنع الشعبوي، كومبارس يتناطحون مع بعضهم، أحدهم يخوض مشاجرة كحرب البسوس، وأطفال تعلوهم ملامح الشقاوة يتراكضون في حركة كوميدية، ويسترقون نظرات بريئة لعدسة الكاميرا، وامرأة تفضح خلافها مع زوجها على عتبة الدار، وأب ينهال بالشتائم توبيخاً لابنه الفاشل في العلم، مع خلفية صوتية، شملت باقة منتقاة من السباب والشتائم، ولغو المشادة الكلامية، وهذر العراك البدني.
أداء متفاوت
غلب على الأداء التمثيلي ردود الأفعال الباردة، إذ تلقت العائلة خبر وفاة رب أسرتها بحيادية تامة، رغم بشاعة طريقة الوفاة، بما فيهم زوجته الأولى، التي تحبه، والتي أعاد ارتباطه بها قبل فترة وجيزة من رحيله، كما تقبلوا برحابة صدر أمر عدم فتح تابوت الجثمان، ولم يطالب أحدهم بتوديع فقيدهم، في حين اشتعل بعض الأبطال بالحيوية والنشاط أثناء اشتغالهم على الأدوار، فقدموا تعابير تفي بمراد الموقف، وتتناسب مع وتيرته، كما في شخصية البطل (عوني/ جوان خضر)، و(عدنان/ غزوان الصفدي).
كذلك ساهمت شخصية الراقصة (لوزة/ صفاء سلطان) في تطعيم العمل بحماسة الأكشن، وكان لحضورها أثراً درامياً وازناً، إذ جسدت شخصية محورية، بأداء حاذق، سعى نحو صب جرعة من التشويق على نار الإثارة، وأسهم في تصعيد الأحداث وكشف مزيد من الخفايا داخل العائلة.
الظواهر السمعية
سجل المسلسل علامة مميزة على صعيد أغنية الجينريك، والتي أدتها الفنانة (لينا شماميان)، وهي من تأليف وألحان غالب زيدان، وتوزيع دياب ميقري، مع تعثر متكرر في نحوية بيانات الشارة، وتمازجت داخل حلقاته الظواهر السمعية المتنوعة، صوتاً وموسيقى تصويرية ومؤثرات، فأما الشريط الملفوظ فقد ضم مجموعة كبيرة من التراكيب الساخرة، والتي لم تؤد الوظيفة المتوخاة منها بمنتهى النجاح، إذ بدت محشورة في صياغات عدة، فأثخنت الحوار بكليشات غير ناضجة، كما وظفت أفيهات فاقدة لتاريخ صلاحيتها، ما خفف من حدة السبك اللغوي، ووحد هوية المحكي لدى أغلبية الشخوص، أما الخلفية الموسيقية فناصرت الفعل الدرامي، وتغلبت عليه أحياناً كثيرة، منتجة أثراً فوضوياً في محطات عدة، فتصدر الصوت مشهدية الماستر، وشغل مطرح الأداء السمع بصري، فعجزت جمالية التمثيل عن الطفو إلى السطح.
عرض هذا المنشور على Instagram
تمت مشاركة منشور بواسطة Lena Chamamyan | لينا شاماميان (@lenachamamyan)
كما انتهجت الحوارات التي جرت بين معارضي النظام المخلوع، وأزلامه، آلية دفاعية ساذجة، ومحاولة لتقديم مسوغات معلوكة للوقوف بصفه، قوامها الخوف والإجبار، وهذا ينافي واقع الحال، إذ كان أنصار الحكم البائد، يتفاخرون بتأييدهم، ويكررون صفات محمودة لذاك النظام، يدور أغلبها في فلك حمله لواء المقاومة والممانعة، وتعرض بلده لمؤامرات كونية، أما لغة التبرير، فهي حالة آنية، استخدمت بعد سقوط النظام، وتعرض أتباعه لمحاصرات مُفحمة، وتوبيخات من كل من يلقاهم.
يحسب لـ (عيلة الملك) العودة إلى نظام الساعة التلفزيونية المطولة، إذ تراوح متوسط المدة الزمنية للحلقة التلفزيونية بين (٤٠-٥٥) دقيقة، ويؤخذ على العمل الترويج لمنتجات عدة، وعدم تحري الكتاب لعالم الشخصيات الكرتونية الدارجة، واعتمادهم نماذج قديمة في خط معمل العلكة، لكنه لا يخلو من إتقان متمرس في توطين عنصر العقبات، وصولا إلى ذرى العمل، التي آذنت الحلقات الأخيرة بحلها ثم رحيلها، لتتكشف جملة وتفصيلا مع الوصول إلى الحلقة الأخيرة.
المصدر