جوانب من حكاية "حزب العمال الثوري العربي"



تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً

مؤسف أن السياسي السوري طارق أبو الحُسن، صاحب هذه المذكرات، قد توفي بعد أيام من تسليم نسختها الأولى المنشورة، قبل تحريرها ومراجعتها وإجراء تعديلات عليها والتوسع في بعض أجزائها، كما تقول مقدمة حازم نهار الذي أصدرها عن مؤسسة "ميسلون"، مطلع هذا العام. ويعود ذلك إلى التجربة الطويلة لـ"أبو الحُسن"، منذ أن كان يافعاً في العام 1950 وحتى وفاته، وقد قارب على التسعين، في شباط 2025، كما تأتي أهميتها من الإضاءة على البيت الداخلي لتنظيم صغير رغم أهميته الفكرية الكبيرة في التيار اليساري القومي، النابعة أساساً من الدينامو المتوقد له ياسين الحافظ ومن مثقفين آخرين أعطوه طابعه النخبوي، هو "حزب العمال الثوري العربي". كان الحافظ قادماً إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي" من تجربة قصيرة في "الحزب الشيوعي السوري"، ومن هذا المزيج كتب التقرير الفكري السياسي للمؤتمر القومي السادس للبعث والذي سُمّي "بعض المنطلقات النظرية"، وكان ينطوي على تغيير في فكر الحزب إذ استخدم "الاشتراكية العلمية" بدل "الاشتراكية العربية"، مع التأكيد على وجود طريق عربي إلى الاشتراكية، وعدّل في مفهوم القومية بالانتقال من فكرة التفوق العربي (ذات رسالة خالدة) إلى الفكرة القومية الإنسانية، وفي أثناء مناقشة "المنطلقات" اتضح أن هناك خلافاً حولها وبدا أن في الحزب اتجاهاً يسارياً يقبلها وآخر يمينياً يعارضها. بعد انقلاب حافظ الأسد، في تشرين الثاني 1970، أرسل موفدين ليعرض على "حزب العمال" حل نفسه والمساهمة في إعادة تشكيل حزب البعث من جديد، لكنه اشترط على "الأسد" ما لم يكن ينوي أن يلبيه من إجراء حوار علني حول أمور الحكم، وإصدار قانون يسمح بحرية الأحزاب.. ولمقاومة التوجّه اليساري دعا ميشيل عفلق، مؤسس "البعث العربي"، إلى مؤتمر قومي جديد، سابع، للحزب، رفض فيه معظم العسكريين التخلي عن "المنطلقات"، وشاركهم في ذلك معظم أعضاء المؤتمر، مما أدى إلى استمرار العمل بها، في حين دعا أعضاء القيادة القومية من ذوي الاتجاه اليساري إلى مؤتمر قدّم فيه ياسين الحافظ دراسة نقدية لأفكار البعث وممارساته، أقرّها المؤتمر وقرّر الانفصال ورأى أن يُعدّ برنامجاً سياسياً ونظاماً داخلياً لتأسيس حزب جديد. فصاغت لجنة مؤلفة من الحافظ وجورج طرابيشي وأبو الحُسن مشروع البرنامج السياسي ومشروع النظام الداخلي للحزب المراد تأسيسه والذي اختير اسمه بناء على اقتراح العراقي الذي أصبح أمينه العام، حمدي عبد المجيد، الذي انتقل سراً للإقامة في دمشق، عُقد المؤتمر في بيروت، أواخر عام 1965، وقرر إصدار جريدة شهرية هي "الثورة العربية". بعد الانقلاب الداخلي في حزب البعث، في 23 شباط 1966، حاولت القيادة اليسارية الجديدة التنسيق مع "حزب العمال" بالنظر إلى تقاربهما الأيديولوجي لكنه رفض أي تعاون مع "نظام عسكري انقلابي" على حد تعبير الكتاب. وبعد انقلاب حافظ الأسد، في تشرين الثاني 1970، أرسل موفدين ليعرض على "حزب العمال" حل نفسه والمساهمة في إعادة تشكيل حزب البعث من جديد، لكنه اشترط على "الأسد" ما لم يكن ينوي أن يلبيه من إجراء حوار علني حول أمور الحكم، وإصدار قانون يسمح بحرية الأحزاب، وتحديد مرحلة انتقالية لترتيب وضع النظام وإنهاء العمل بقانون الطوارئ وإجراء انتخابات ديمقراطية، وتحديث الجيش، ففشل التقارب، وكذلك كان مصير مفاوضات انضمام "حزب العمال" إلى "الجبهة الوطنية التقدمية"، التي أنشأها "الأسد" لضبط الأحزاب، في أول السبعينات. في عام 1968 اعتقل ياسين الحافظ (وآخرون) لأكثر من ثمانية أشهر، وعندما خرج من السجن هاجر إلى لبنان حيث شارك في إنشاء "دار الحقيقة" بهدف نشر الكتب الفكرية والسياسية ذات الطابع القومي والديمقراطي والاشتراكي. في شباط عام 1970 عقد الحزب مجلسه القومي الثاني، وفي عام 1973 مجلسه الثالث الذي كانت أهم منجزاته دراسة حول التأخر العربي عرّجت على نقد تجربة "حزب العمال" نفسه حين عدّ أن الإرادة قادرة على حرق المراحل والانتقال إلى الاشتراكية من دون المرور بالثورة القومية الديمقراطية التي أصبحت هدفه المرحلي. وفي صيف عام 1977 عُقد المجلس القومي الرابع في بيروت وكان عنوان تقريره السياسي "من نقد السياسة إلى نقد المجتمع"، وفي الاجتماع قال ياسين الحافظ إن الحزب انعطف يميناً منذ هزيمة 1967، فأوقف توجهاته الاشتراكية والوحدوية وقال بالعدالة الاجتماعية والتضامن العربي لإزالة آثار العدوان. واقترح أن يعدّل الحزب اسمه بناء على توجهاته الجديدة فيحذف كلمة "الثوري"، وإثر استقالة عبد المجيد انتخب "أبو الحُسن" أميناً عاماً بعدما اعتذر الحافظ لأنه "شديد الانفعال بالحوار ولا ينجح كمسؤول تنظيمي"، وفي مطلع عام 1978 أصيب الحافظ بالسرطان، وفي خريفه توفي. وربما كانت تلك أبرز خسارات الحزب الذي كان قد أخذ بالانحسار إلى منبته السوري، فبعدما بدأت المقاومة الفلسطينية العمل من الأردن طلبت منظمة "حزب العمال" هناك السماح لها بالانضمام إلى "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" فتم ذلك، كما حلّت قيادة منظمة الحزب في لبنان نفسها وانضم معظم أعضائها إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي" بقيادة كمال جنبلاط، وجرى تجميد وضع، وفصل، أكثر المجموعة العراقية في الحزب لعدم التزامها بمقررات المؤتمر. أما منظمة الإمارات فتكوّنت من عدة أعضاء كانوا يجدون صعوبة في نشر برنامجهم الاشتراكي بين مواطنيهم، في حين أوضح مسؤول منظمة ليبيا إنه لا يمكن العمل هناك لأن زعيمها، وقتئذ، معمر القذافي رفع شعار "من تحزّب خان" ومن يخالف ذلك يعاقب بالإعدام، كما توقفت جريدة "الثورة العربية" لأسباب مالية، ولم ينفع دعم جزائري بسيط، وانتقال الياس مرقص إلى بيروت لرئاسة تحريرها، في إنعاشها لأطول بكثير من سنة. شارك الحزب، ضمن إطار "التجمع"، في وقفات احتجاجية متفرقة، حتى قيام الثورة عام 2011 وانتخاب أمين عام جديد له مع بقاء "أبو الحُسن" عضواً فيه وقيادياً في "هيئة التنسيق الوطنية" القريبة من "التجمع".. في الداخل السوري عاش الحزب حياة شبه سرية، وفي نيسان 1979 أعلن، مع خمسة أحزاب معارضة أخرى، عن تأسيس "التجمع الوطني الديمقراطي"، الذي طالب بالحريات العامة في التجمع والإضراب والأحزاب والرأي والإعلام والانتخابات التشريعية والنقابية، مما أغضب "الأسد"، الذي أوعز بشن حملة اعتقالات واسعة، وفي التقرير السياسي للمؤتمر القطري الذي عُقد في عام 1983 عرّف "حزب العمال" النظام بأنه أمني دكتاتوري مذهبي. بعد موت "الأسد" بادر "التجمع" إلى افتتاح منتدى للحوار السياسي والفكري والثقافي في منزل أحد أقطابه؛ الراحل جمال الأتاسي، في دمشق، إلى أن صدر القرار بإغلاق المنتديات واعتقال بعض منظميها وناشطيها. في السنوات اللاحقة شارك الحزب، ضمن إطار "التجمع"، في وقفات احتجاجية متفرقة، حتى قيام الثورة عام 2011 وانتخاب أمين عام جديد له مع بقاء "أبو الحُسن" عضواً فيه وقيادياً في "هيئة التنسيق الوطنية" القريبة من "التجمع"، ومنذ ذلك الوقت شارك في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات التي عقدتها المعارضة، وبعد سقوط بشار الأسد ينقل "نهار" عن المعارض العتيق سعادته الشديدة، ويصف حماسه الكبير للعمل في الساحة السياسية للبلد المتجدد. 

المصدر