استحضار التاريخ في بناء الدولة الجديدة



تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً

يُعدّ استحضار التجربة التاريخية للشعوب عند صياغة ملامح دولها الجديدة من أهم ركائز الوعي السياسي والاجتماعي؛ إذ تمثل الذاكرة الوطنية لدى كثير من الشعوب أساساً في تشكيل الهوية الجامعة، وضمان التشاركية بين مكونات المجتمع في بناء الدولة. وتُعدّ الحالة السورية نموذجاً غنياً بالتجارب التاريخية التي يمكن أن تُسهم في بناء دولة جديدة قائمة على التعددية والمواطنة والعدالة. ورغم أنّ الوعي الجمعي السوري تعرّض للتشويه على عدة مستويات خلال عقود حكم حزب البعث، ولا سيما في مرحلته الأسدية الممتدة من انقلاب حافظ الأسد على السلطة وحتى سقوط حكم ابنه بشار 1970-2024، فإنّ الذاكرة التاريخية السورية في النصف الأول من القرن العشرين تحمل شواهد مهمة على التعايش والتعاون بين أبناء الشعب السوري، يمكن استحضارها في مشروع بناء الدولة الجديدة. فبعد خروج القوات العثمانية من سوريا في خريف عام 1918، دخلت البلاد مرحلة جديدة من البحث عن الهوية السياسية والنظام الدستوري المناسب، فقد أعلن الأمير فيصل بن الحسين في 5 تشرين الأول 1918 تأسيس الحكومة العربية في دمشق، التي شكّلت نواة لما عُرف لاحقاً بالمملكة السورية. لم تكن الانتماءات الفكرية أو العرقية أو الدينية المحدد الرئيس لاختيار الناخبين، بل الشعور بضرورة اختيار من يُعتقد أنه الأكثر خبرة لقيادة تلك المرحلة الانتقالية.. وفي عام 1919 جرت أول انتخابات برلمانية في تاريخ سوريا الحديث لاختيار أعضاء المؤتمر السوري العام، ومع أنّ الجو العام كان يبدو في مصلحة رجال الحركة العربية المؤيدين للثورة العربية، نتيجة الظروف التي عانى منها الشعب في الحرب العالمية الأولى، ولا سيما خلال سنوات حكم جمال باشا في الشام، فإنّ كتلة فوزي باشا العظم، المحسوبة على التيار المؤيد لجمعية الاتحاد والترقي حتى نهاية الحرب، هي التي فازت بأغلبية المقاعد، وبذلك صار أكثر أعضاء المؤتمر السوري من أعضاء مجلس المبعوثان العثماني سابقاً. أظهرت تلك التجربة الانتخابية المبكرة وعياً سياسياً واجتماعياً لدى النخبة السورية، إذ لم تكن الانتماءات الفكرية أو العرقية أو الدينية المحدد الرئيس لاختيار الناخبين، بل الشعور بضرورة اختيار من يُعتقد أنه الأكثر خبرة لقيادة تلك المرحلة الانتقالية، ومع أنّ المشاركة السياسية كانت آنذاك مقتصرة على الأعيان، فإن ذلك كان مفهوماً في سياق نشوء الدولة الحديثة. وفي مرحلة لاحقة، شهدت الحياة السياسية السورية وصول شخصيات من خلفيات متنوعة إلى مواقع قيادية، ومن ذلك تولي صبحي بركات رئاسة الجمهورية عام 1922 في ظل الانتداب الفرنسي، ورغم أصوله التركية من لواء إسكندرون، وعدم إجادته العربية بطلاقة، فقد حظي بقبول سياسي واجتماعي، ما يعكس تقبّل السوريين للتعدد الإثني في إطار الدولة. كذلك، قوبل مشروع فرنسا لتقسيم سوريا بالرفض من مختلف مكونات الشعب، وكان ذلك من أهم أسباب اندلاع الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، الذي رفض فكرة "دولة جبل الدروز" مقدّماً المصلحة الوطنية، وشارك في قيادة الثورة شخصيات من مختلف المناطق والطوائف، مثل عبد الرحمن الشهبندر، إبراهيم هنانو، فوزي القاوقجي، صالح العلي، حسن الخراط، عياش الحاج وغيرهم، في تجسيد عملي للوحدة الوطنية. ومن النماذج البارزة أيضاً شخصية فارس الخوري (1873-1962)، السياسي والمفكر المسيحي الذي تولّى رئاسة البرلمان السوري ثم رئاسة الوزراء مرتين، وقد مثّل حضوره دليلاً واضحاً على أنّ الانتماء الديني لم يكن عائقاً أمام المشاركة في قيادة الدولة، كما وصلت شخصيات من أصول كردية إلى مواقع قيادية، مثل فوزي سلو الذي تولّى رئاسة الدولة عام 1951. إنّ هذه الأمثلة من تاريخ سوريا المعاصر تؤكد أنّ المجتمع السوري لم يكن منغلقاً على مكوّن واحد، بل شهد تعاوناً وتكاملاً بين مكوناته. غير أنّ هذا الوعي تعرّض لاحقاً لتشويه ممنهج في ظل حكم البعث منذ عام 1963، حيث فُرضت هوية أيديولوجية أحادية، وأُضعف مفهوم المواطنة الجامعة لصالح الولاءات الضيقة. التنوع بحد ذاته لا يشكّل خطراً على الدولة والمجتمع، إلا حين تُقدَّم المصالح الفئوية من قبل بعض الطوائف كما حصل من بعض الجماعات خلال السنة الماضية بعد تحرير البلاد من نظام الأسد.. وبالعودة إلى الواقع الراهن، فإنّ بناء الدولة السورية الجديدة يتطلب من جميع السوريين، على اختلاف انتماءاتهم، استلهام تلك التجارب التاريخية من خلال قراءة واعية للتاريخ السياسي بهدف تعزيز قيم المشاركة والتعددية، فالتاريخ لا ينبغي أن يُستدعى بوصفه سردية رمزية فحسب، بل بوصفه خبرة عملية تحمل دروساً قابلة للتطبيق في الحاضر والمستقبل. الحقيقة إنّ التنوع بحد ذاته لا يشكّل خطراً على الدولة والمجتمع، إلا حين تُقدَّم المصالح الفئوية من قبل بعض الطوائف كما حصل من بعض الجماعات خلال السنة الماضية بعد تحرير البلاد من نظام الأسد، ولكن حين يُدار الاختلاف ضمن إطار الدولة والقانون والمصلحة الوطنية بعيداً عن الاستقواء بالخارج أو تغليب المصالح الشخصية يتلاشى الخلاف وتمضي مسيرة البناء. وقد أثبت السوريون في مراحل متعددة من تاريخهم قدرتهم على التعاون والدفاع عن استقلال وطنهم ووحدة أراضيه، والمشاركة في إدارته وتقدمه، وبالتالي فإنّ التنوع الإثني والديني والمذهبي في سورية ليس عائقاً أمام بناء دولة عدل وقانون حديثة وقوية، بل إنّ التحدي الحقيقي يكمن في صدق النوايا والإرادة السياسية والعمل المشترك من أجل الوطن، لا من أجل مكوّن أو فئة بعينها.

المصدر