هل العلمانية وحدها تحل مسألة الطائفية في سوريا؟



تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً

برزت إشكالية الطائفية إلى الواجهة السياسية والاجتماعية في سوريا عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فقد عاد هذا الموضوع ليشغل حيزاً واسعاً من نقاشات السياسيين والمثقفين السوريين، كما عاد شعار "العلمانية هي الحل" ليتردد في الخطاب السياسي اليومي لدى بعض السوريين بوصفه العلاج السحري للتوترات الطائفية والانقسامات المجتمعية التي تُعاش يومياً في عدد من المدن والبلدات السورية. غير أن التحليل السوسيولوجي يقتضي في البداية التمييز بين مفهومين مختلفين جذرياً في أساسهما الفكري والسياسي، ففي حين تتعلق العلمانية أساساً بموقع الدين في المجال العام وعلاقته بالدولة، تتمحور الطائفية حول مسألة الهوية والانتماء الجماعي. وانطلاقاً من هذا الاختلاف يبرز السؤال: هل يمكن للعلمانية أن تشكّل حلاً سحريًا لمسألة الطائفية في سورية؟ أم أن هذا الطرح ليس سوى تبسيط نظري وسياسي لمشكلة أكثر تعقيداً؟. بادئ ذي بدء، ينبغي التأكيد على أن العلمانية ليست مفهوماً واحداً ثابتاً، بل تعددت تعريفاتها تاريخياً في الفكر السياسي والاجتماعي العالمي، فهي تُعرَّف أحياناً بوصفها فصلاً بين الدين والدولة، أو بين الدين والمجال العام أو السياسي، أو فصلاً بين الدين ومصادر التشريع. الطائفية ليست مجرد مسألة دينية مرتبطة بالمعتقدات، بل هي قبل كل شيء مسألة انتماء اجتماعي وجماعي يتجاوز الإطار الوطني. ففي الحالة الطائفية لا يُعرَّف الفرد على أساس قناعاته الدينية أو الفكرية، بل على أساس انتمائه الموروث إلى جماعة دينية أو مذهبية.. وفي النقاشات السورية المعاصرة طُرحت أيضاً فكرة حياد الدولة تجاه العقائد الدينية للمواطنين، وعلى الرغم من اختلاف هذه التعريفات، فإنها تشترك جميعاً في نقطة أساسية تتمثل في تنظيم العلاقة بين الدين والمجال العام، أي تحديد حدود حضوره وتأثيره في السياسة والقانون والمؤسسات. في المقابل، تدور الطائفية حول مسألة مختلفة تماماً، تتعلق بالانتماء الهوياتي. فالطائفية ليست مجرد مسألة دينية مرتبطة بالمعتقدات، بل هي قبل كل شيء مسألة انتماء اجتماعي وجماعي يتجاوز الإطار الوطني. ففي الحالة الطائفية لا يُعرَّف الفرد على أساس قناعاته الدينية أو الفكرية، بل على أساس انتمائه الموروث إلى جماعة دينية أو مذهبية، وقد يكون الشخص علمانياً أو غير متدين، لكنه يظل في نظر الآخرين منتمياً إلى طائفة معينة لأنه وُلد في أسرة تنتمي إليها. وهنا يتحول الدين من عقيدة إلى هوية اجتماعية، ويصبح معياراً لتحديد الانتماء داخل المجتمع. انطلاقاً من هذا التمييز، يمكن القول إن العلمانية والطائفية ليستا بالضرورة نقيضين مباشرَين. فالتاريخ يقدم العديد من الأمثلة لدول علمانية شهدت في الوقت نفسه نزاعات طائفية حادة. ففي أيرلندا الشمالية، على سبيل المثال، لم يكن الصراع يدور حول علاقة الدولة بالكنيسة، ومع ذلك استمر النزاع بين البروتستانت والكاثوليك لعقود طويلة، لأن الهوية القومية لكل جماعة ارتبطت بهويتها الدينية. ويمكن ملاحظة الظاهرة ذاتها في تجارب أخرى، حيث تتخذ بعض الحركات أو الأحزاب السياسية اللبنانية طابعاً علمانياً من حيث موقفها من الدين، لكنها تقوم في الوقت نفسه تنظيميًا على أساس هوية دينية أو طائفية، وحتى في العالم الإسلامي يمكن العثور على حالات مشابهة؛ فقد تأسست باكستان أصلاً بوصفها دولة إسلامية، ومع ذلك قدّم مؤسسها محمد علي جناح الدولة الجديدة بوصفها دولة علمانية تحترم التعدد الديني وتفصل بين العقيدة الدينية وإدارة الدولة، وتشير هذه الأمثلة إلى أن العلمانية لا تلغي تلقائياً الانقسامات الطائفية، لأن الطائفية ترتبط أساساً بمسألة الهوية والانتماء، وليس فقط بموقع الدين في الدولة. ومع ذلك، فإن استقلال المسألتين لا يعني انفصالهما الكامل، إذ يوجد بينهما نوع من الترابط غير المباشر، فإذا أخذنا تعريفاً للعلمانية يقوم على حياد الدولة تجاه العقائد الدينية، فإن ذلك يعني عملياً عدم تكريس أي تمييز قانوني أو سياسي بين المواطنين على أساس الدين أو الطائفة، وهو ما يمكن أن يسهم في بناء إطار وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية. لكن هذا لا يعني أن العلمانية وحدها قادرة على حل المشكلة، فمن الممكن تصوّر دولة لا تعلن نفسها علمانية بالمعنى الصارم، وقد يشكّل الدين فيها مرجعية ثقافية وأخلاقية عامة للمجتمع، من دون أن يتحول ذلك إلى أداة للتمييز القانوني أو السياسي بين المواطنين، فالمسألة الأساسية لا تكمن في رفع شعار العلمانية بحد ذاته، بل في ضمان المساواة الفعلية بين المواطنين ومنع السياسات التمييزية. من هنا يمكن فهم إشكالية شعار "العلمانية هي الحل" في المجتمعات المنقسمة طائفياً مثل سوريا، فهذا الشعار قد يكون مضللاً لسببين رئيسيين: الأوّل أنه يقدّم العلمانية بوصفها علاجاً سحرياً لأزمة الهوية الوطنية السورية، وكأن مشكلة الطائفية تختزل في علاقة الدين بالدولة، في حين تتعلق في جوهرها بضعف مفهوم المواطنة وبهيمنة الانتماءات الدينية والطائفية والعشائرية على الانتماء الوطني الجامع. أما السبب الثاني فيتعلق بإمكانية توظيف العلمانية نفسها كأداة أيديولوجية في الصراع الطائفي، ففي بعض الحالات قد يُستخدم خطاب العلمانية لاستهداف ثقافة دينية معينة أو للتعبير عن خوف أو عداء تجاه جماعة بعينها، وعندها تتحول العلمانية من مبدأ حياد الدولة إلى غطاء أيديولوجي يخفي وراءه انحيازات طائفية، وفي المقابل، قد ترد جماعات دينية أخرى بخطاب مضاد يصوّر الصراع وكأنه معركة بين الإيمان والكفر، الأمر الذي يعمّق الانقسام ويزيد من حدة الاستقطاب المجتمعي. وتقدم التجارب التاريخية أمثلة واضحة على محدودية العلمانية في معالجة الانقسامات الدينية والطائفية، ففي العديد من الدول الاشتراكية السابقة تبنّت الدولة والمجتمع خطاباً علمانياً، ومع ذلك استمرت الانقسامات الاجتماعية المرتبطة بالانتماءات الدينية والطائفية والعشائرية، وبقي الزواج المختلط بين الجماعات المختلفة محدوداً للغاية، وما إن انهارت تلك الدول حتى عادت هذه الهويات الفرعية إلى الظهور بقوة، وطالبت بإعادة تنظيم الدولة على أساس المحاصصة بينها. ويمكن ملاحظة ظاهرة مشابهة في سورية والعراق خلال حكم حزب البعث، فعلى الرغم من الخطاب العلماني والقومي الذي تبنّاه الحزب، فإن بنية السلطة الفعلية استندت في كثير من الأحيان إلى شبكات من الانتماءات الطائفية والعشائرية، ما كشف أن العلمانية الشكلية لا تكفي لتجاوز الانقسامات الاجتماعية العميقة. يمكن للعلمانية -بمعنى حياد الدولة تجاه العقائد الدينية وضمان المساواة بين المواطنين- أن تكون جزءاً من الحل، لكنها ليست الحل السحري، فالمشكلة أعمق من ذلك، والحل يمر عبر مسار طويل من الإصلاح السياسي والمؤسسي.. في ضوء ما سبق، يمكن القول إن معالجة الطائفية في سوريا لا تكمن في تبني العلمانية كشعار سياسي مجرد، بل في بناء جماعة وطنية متماسكة تقوم على أساس المواطنة المتساوية، ويتطلب ذلك إعادة الاعتبار للديمقراطية الحقيقية، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وضمان المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية. فالطائفية ليست مجرد مشكلة قانونية أو دستورية، بل هي ظاهرة اجتماعية عميقة الجذور ترتبط بالبنى الثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع السوري. ولذلك فإن تجاوزها يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يعيد تعريف الهوية الجماعية على أساس الانتماء إلى الوطن السوري، لا إلى الطائفة. وفي هذا السياق يمكن للعلمانية -بمعنى حياد الدولة تجاه العقائد الدينية وضمان المساواة بين المواطنين- أن تكون جزءاً من الحل، لكنها ليست الحل السحري، فالمشكلة أعمق من ذلك، والحل يمر عبر مسار طويل من الإصلاح السياسي والمؤسسي، وبناء ثقافة مدنية جديدة تعيد الاعتبار لفكرة المواطنة المشتركة، فعندما يشعر السوري، بغض النظر عن انتمائه الديني أو الطائفي، بأن حقوقه وكرامته مصونة، تصبح الطائفية أقل قدرة على تعبئة الأفراد، ويغدو الانتماء الوطني هو المرجعية الأساسية لجميع السوريين. 

المصدر