إنصاف المفصولين تعسفياً والعدالة المعلقة



تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً

في الوقت الذي تتطلع فيه سوريا إلى طيّ صفحة الصراع وبناء مرحلة جديدة أكثر استقراراً، يبرز ملف الموظفين المفصولين تعسفياً كأحد أكثر القضايا إلحاحاً وإثارة للجدل، هؤلاء الذين فقدوا وظائفهم بسبب مواقفهم السياسية خلال سنوات الثورة وعانوا من الاعتقال والنزوح والتهجير القسري، ما يزالون ينتظرون إنصافاً طال أمده، رغم الوعود الحكومية المتكررة بإيجاد حلول عادلة لكن هذه الحلول ما زالت غائبة، ولا شك بأن إنصافهم بالإعادة والتعويض هو وجه من وجوه جبر الضرر. ويُعدّ جبر الضرر وتعويض الضحايا أحد الأعمدة الأساسية في أي مسار للعدالة الانتقالية، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية أو إعادة بناء الثقة من دون معالجة الانتهاكات التي طالت آلاف الموظفين والفصل أو الطرد من الوظيفة شكل من أشكال هذه الانتهاكات. غير أن هذا الملف ما يزال عالقاً في دهاليز البيروقراطية والتسويف وسط غياب واضح للإرادة السياسية في إيجاد حل جذري، كما يبدو أن هناك تغليبا للاعتبارات الأمنية وتحقيق الاستقرار السطحي على حساب حقوق الأفراد مما يولد خيبة أمل لدى من ينتظر استعادة حقه الوظيفي. العدالة الانتقالية ليست شعاراً سياسياً أو إجراءً تجميلياً، بل منظومة متكاملة تهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر أدوات متعددة تشمل المحاسبة القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر.. إنّ تجاهل هذا الملف أو التعامل معه ببطء يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بمبادئ العدالة الانتقالية، ويجعل من جبر الضرر ضرورة وطنية لا يمكن القفز فوقها، فالعدالة الانتقالية ليست شعاراً سياسياً أو إجراءً تجميلياً، بل منظومة متكاملة تهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر أدوات متعددة تشمل المحاسبة القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، ومن هذا المنطلق، فإنّ معالجة قضية المفصولين تعسفياً تتطلب مقاربة شاملة تعترف بما تعرضوا له من ظلم، وتضع حداً لحالة المماطلة التي تمارسها المؤسسات الحكومية المختلفة، فاستمرار التجاهل لا يمر من دون تبعات، بل يهدّد بتفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية، ويقوّض فرص الاستقرار المرجو والمستدام. ورغم التصريحات الحكومية المتكررة حول أهمية معالجة هذا الملف، إلا أنّ الواقع يشير إلى أن القضية ما تزال تدور في حلقة مفرغة بين الوعود والإنكار وتصطدم بغياب الإرادة السياسية الحقيقية، وبشبكات الفساد والمحسوبية التي تعيق أي تقدم فعلي في ملف المعالجة، كما أن تغليب الاعتبارات الأمنية على حساب حقوق الأفراد يعمّق شعور الضحايا بالظلم، ويعيد إنتاج ممارسات الإقصاء التي يفترض أن تكون مرحلة ما بعد النزاع قد تجاوزتها. وكذلك من غير الإنصاف النظر إلى قضية المفصولين تعسفياً باعتبارها مسألة إدارية فحسب، فهي بؤرة توتر اجتماعية مؤجلة تحمل آثاراً خطيرة إن استمرت عملية التجاهل والتسويف بإيحاد الحلول، فحرمان آلاف الموظفين من حقوقهم يزيد من معدلات الفقر والبطالة، ويعمّق الإحباط لدى شريحة واسعة من المجتمع، ما قد ينعكس في المستقبل على شكل احتجاجات أو اضطرابات تهدد السلم الأهلي، كما أن استبعاد هذه الفئة الخبيرة من سوق العمل يضعف الاقتصاد المحلي ويزيد من هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلاً من ضغوط معيشية خانقة و تصدعات في رأس المال الاجتماعي. إذا ما توفرت الإرادة السياسية الجادة، فإنّ الحلول ليست معقدة، إذ يمكن للحكومة تشكيل لجان مستقلة وحيادية لإعادة دراسة الملفات وفق معايير واضحة وشفافة، واعتماد آليات عادلة لجبر الضرر تشمل التعويض المالي وإعادة التوظيف وضمان عدم التمييز عند العودة إلى العمل.. إضافة إلى ذلك، فإن تجاهل حقوق هؤلاء الموظفين يسهم في تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويخلق فجوة يصعب ردمها لاحقاً، فالمفصولون يشعرون بأن الحكومة الحالية لا تمثل تطلعاتهم ولا تعترف بمعاناتهم، الأمر الذي يترك آثاراً نفسية عميقة تشمل القلق والاكتئاب والشعور باللاجدوى وعدم التقدير، وهي عوامل تؤثر في النسيج الاجتماعي السوري المنهك أصلاً. وإذا ما توفرت الإرادة السياسية الجادة، فإنّ الحلول ليست معقدة، إذ يمكن للحكومة تشكيل لجان مستقلة وحيادية لإعادة دراسة الملفات وفق معايير واضحة وشفافة، واعتماد آليات عادلة لجبر الضرر تشمل التعويض المالي وإعادة التوظيف وضمان عدم التمييز عند العودة إلى العمل، كما يمكن الاستفادة من خبرات المنظمات الدولية وتجارب الدول الأخرى التي نجحت في معالجة قضايا مشابهة، مثل المملكة المتحدة التي أقرت تعويضات تصل إلى راتب عامين للمفصولين تعسفياً، إضافة إلى تعزيز الحماية القانونية ضد الفصل غير العادل، فضلاً عن تجارب فرنسا والمغرب ونيبال وإسبانيا في هذا المجال. إنّ معالجة ملف المفصولين تعسفياً في سوريا ليست منّة من أحد، بل واجب وطني وأخلاقي وسياسي، وشرط أساسي لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، كما أن إشراك الضحايا أنفسهم في صياغة مسارات الحل يضمن عدالة الإجراءات وفاعليتها، أما تجاهل هذا الملف أو تأجيله فهو مقامرة خطيرة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، لأن السلم المستدام لا يقوم إلا على أساس العدالة والإنصاف وإحقاق الحقوق.

المصدر