تلفزيون سوريا: الاثنين, 16 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً
شهدت سوريا في الفترة الأخيرة سلسلة من الجرائم الأسرية التي هزّت الرأي العام وأثارت جدلاً واسعاً على منصّات التواصل الاجتماعي.
هذه الحوادث، التي طالت الأزواج على يد زوجاتهم باستخدام السم، الحقن، أو الأسلحة البيضاء تعكس تراكمات نفسية واجتماعية معقدة، تشمل العنف الأسري، الخيانات الزوجية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها أفراد الأسرة.
وبين الصدمة، الغضب، والسخرية، عكس التفاعل الشعبي على الإنترنت مدى القلق المجتمعي حيال هذه الظاهرة، ووضع تساؤلات جوهرية حول أسبابها وسبل الوقاية منها، ومدى قدرة المجتمع السوري على تفادي هذه الاضطرابات بعد سنوات من الحرب.
في هذا التقرير، نقدم رؤية عن جرائم القتل داخل الأسرة في سوريا، من خلال الجمع بين الوقائع، التحليل النفسي والاجتماعي، مع قراءة لمواقف الشارع السوري وردود فعله على هذه الجرائم، بما يُعزّز وعي الجمهور حول هذه الظاهرة المُقلقة.
وقائع صادمة وأسئلة عن مستقبل الأسرة
في الأيام الأخيرة شهدت البلاد وقوع عدة جرائم بحق أزواج على يد زوجاتهم، إذ أقدمت امرأة من مدينة الدانا في ريف إدلب على قتل زوجها وتقطيع جثته بعد اكتشاف زواجه من أخرى، بينما ذكرت تقارير أن امرأة من مدينة حلب وضعت مادة سامة ومخدِّرة في طعام زوجها قبل أن تحقنه بجرعات من "الأنسولين"، ما أدى إلى دخوله في غيبوبة انتهت بوفاته، وفي حادثة أخرى، أفادت شبكات إخبارية محلية بأن امرأة باعت مصاغها الذهبي واشترت سلاحاً أنهت فيه حياة زوجها.
عكست مواقع التواصل الاجتماعي، خاصّة منصّة "فيسبوك"، تفاعلاً واسعاً حول الجرائم الأسرية الأخيرة، حيث عبّر كثيرون عن صدمتهم وتزايد مخاوفهم في ظل تصاعد العنف المنزلي. في المقابل، حاولت بعض الشابات تحليل الأسباب الاجتماعية والنفسية وراء هذه الحوادث.
بينما طالب آخرون بتشريعات أكثر صرامة لحماية الأسرة وتنظيم قضايا مثل تعدد الزوجات، بينما ظهرت تعليقات ساخرة تعكس صدمة المجتمع، وسط تأكيد واسع على ضرورة تعزيز الوعي الاجتماعي والحماية القانونية للضحايا.
ووصف البعض هذه الوقائع، التي تبدو أقرب إلى مشاهد درامية من أفلام "هوليوود"، بأنها تعكس جانباً من الواقع الاجتماعي المعقّد في سوريا اليوم، وبأنها ترسّبات نتيجة الحرب والأزمات الاقتصادية والنفسية المتراكمة، وظروف معيشية قاسية.
السُّخرية من الجرائم.. قراءة خاطئة للمشكلة
ترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة غالية البغدادي أن تعامل بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مع جرائم القتل الأخيرة بطابع السخرية أو تعميم وصف الإجرام على جنس معين هو سلوك خاطئ، لأنه يبتعد عن فهم الأسباب الحقيقية لهذه الجرائم.
وتوضّح البغدادي في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا الجذور النفسيّة للمشكلة، حيث إن كثيرا من مُرتكبي الجرائم يعانون اضطرابات نفسيّة تظهر مؤشراتها منذ الطفولة، مثل: السلوك العنيف مع الألعاب، ما يستدعي التدخل المُبكّر وعرض هذه الحالات على مُختصّين في الصّحة النفسيّة.
وتؤكد البغدادي أن هذه الجرائم ترتبط بحالات فردية تعاني تشوشاً فكريّاً وظروفا نفسية واجتماعية معقدة، داعية الجهات المعنية والجمعيات إلى إطلاق برامج للتثقيف النفسي والاجتماعي على نطاق واسع للحد من واقع الجريمة.
العنف الأسري.. وجه آخر لمعاناة ما بعد الحرب
يصف الصيدلاني أحمد الخطيب (32 عاماً) من دمشق انتشار المقاطع الساخرة والتعليقات التي تتهكم على الجرائم الأسرية الأخيرة بأنها ليس مجرد مزاح على وسائل التواصل، بل يعكس تراجع الرادع الأخلاقي نتيجة سنوات العنف والضغوط، وبأن ذلك يعد مؤشراً على تراجع قدرة المجتمع تدريجياً على التعاطف، ويتحول الألم إلى مادة للتفاعل والسخرية.
ويبين الخطيب بحديثه لموقع تلفزيون سوريا أن استعادة الإنسانية تبدأ بالوعي بخطورة هذا التكيّف، ورفض اختزال الضحايا إلى "ترند" رقمي، حفاظاً على كرامة الإنسان وقدسية الألم.
بالمُقابل، يصف الموظف الحكومي علي الدالي (55 عاماً) من دمشق التعليقات الساخرة والمقاطع المتداولة حول الجرائم الأسرية الأخيرة في سوريا بأنها صدمة اجتماعية أكثر من كونها تعكس روح الدعابة، وبأن من خلال ردة فعل السوريين التي تراوحت بين المُزاح والغضب، حاول كثير منهم التكيّف مع هذه الأخبار الصّادمة عبر تحويلها إلى مادة للتفاعل الرّقمي.
ويضيف الدالي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنّ هذا النمط من التفاعل يُثير تساؤلات أخلاقيّة حول ما إذا كان تكرار العنف قد أضعف حساسية المجتمع تجاه الألم، في وقت تتزايد فيه الدعوات لاستعادة التعاطف الإنساني.
من جهتها، اختصرت الموظفة هناء يوسف (45 عاماً) المشهد في حديثها لموقع تلفزيون سوريا بقولها: إن هذه الجرائم ليست حوادث فردية معزولة، بل تعبير عن أزمة اجتماعية عميقة يعيشها المجتمع السوري نتيجة سنوات الحرب، حيث أدى تراجع المؤسسات وغياب العدالة وتدهور الوضع النفسي والاقتصادي إلى هشاشة البنية الأسرية وتزايد العنف داخلها.
اقرأ أيضاً
بأقل من 6 ساعات.. القبض على مرتكب جريمة قتل عائلة في حلب |فيديو
الوقاية خيرٌ من العلاج.. تأهيل المُقبلين على الزواج
"الزواج ليس مجرد علاقة عاطفية، بل مؤسسة تقوم على حقوق وواجبات ينظمها القانون والدين"، بهذا التوصيف افتتح مدير مركز "إعفاف" للإصلاح الأسري وتأهيل المُقبلين على الزواج التابع لجمعية إعفاف الخيريّة الدكتور محمد هاني الشّعال حديثه مع موقع تلفزيون سوريا، مبيناً أن التجارب في الإرشاد الأسري أثبتت أن كثيراً من حالات الطلاق لا تحدث بشكل مفاجئ، بل نتيجة نقص الوعي بطبيعة الزواج ومتطلباته القانونية والنفسية والاجتماعية، لذلك يُعدّ تأهيل المقبلين على الزواج خطوة وقائية مهمة قبل الوصول إلى الأزمات.
ويستدرك الشّعال قائلاً: "تُشير الاستبيانات التي قمنا بها إلى أن نحو 80 بالمئة من الشباب يفتقرون إلى المعرفة الكافية بأساسيات الحياة الزوجية، وعليه.. تم اعتماد برامج التأهيل ضمن المركز وفق أربعة محاور أساسية وهي: النفسي، الطبي، الشرعي والقانوني، بهدف إعداد الزوجين، مؤكداً أهمية اطلاع الطرفين على قانون الأحوال الشخصية بوصفه الإطار القانوني للزواج، كما دعا إلى تفعيل المادة 88 من القانون نفسه في المحافظات السورية كافة، التي تنصّ على حقّ القاضي بالاستعانة بأحد مراكز الإصلاح الأسري في قضايا الطلاق.
ويُشير الشّعال إلى أن ماتم تداوله مؤخراً من جرائم أسرية يعد حالات فردية استثنائية شاذّة عن المجتمع السوري، كما تستدعي النظر إليها ودراستها كل على حدة، كما أنها مؤشر لضرورة تفعيل برامج ومسلسلات توعوية وجمعيات تأهيل وإصلاح على كامل الجغرافية السورية.
نحو "مُصلح أُسري في كلّ حي"
وكشف مدير مركز "إعفاف" للإصلاح الأسري وتأهيل المُقبلين على الزواج التابع لجمعية إعفاف الخيريّة عن المبادرات الحالية للجمعية والمركز بالتعاون مع وزارة العدل لتوسيع دور الإصلاح الأسري عبر مشاريع مُجتمعية، تهدف للوصول إلى حلقة وصل بين العائلات والمختصين تحت عنوان: "مُصلح أُسري في كل حي"، بحيث يصبح طلب المشورة الأسرية سلوكاً طبيعياً داخل المجتمع، والانتقال من معالجة النتائج إلى الوقاية منها، وحماية المجتمع من التفكك وتعزيز استقرار الأسرة السورية.
ولفت الشّعال إلى أهمية الأخذ بتجارب كثير من الدول التي لا تسمح بإبرام عقد الزواج في المحكمة قبل حصول الطرفين على شهادة تأهيل المقبلين على الزواج.
المصدر